الكاتب : عبد الهادي بركة
مع دخولها اليوم الخامس عشر، تشتد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشعلة المنطقة بأكملها في حرب لا يُرى لها -حتى اللحظة- سقف زمني لوقفها، سوى أن تداعياتها تتزايد بأبعادها الاقتصادية؛ أولاً على دول المنطقة والجوار، إضافة إلى الأسواق العالمية التي تأثرت هي الأخرى.
لكن الأخطر من ذلك هو البعد الجيوسياسي لهذه الحرب؛ إذ بدا واضحاً مَن الذي يؤدي الدور الوظيفي للإدارة الأمريكية في المنطقة، وهي إسرائيل بلا شك. فرغم المحاولات العديدة من بعض الدول العربية، وعلى مدى عشرات السنين السابقة، لبناء علاقات مع الإدارة الأمريكية، إلا أنها لم ترتقِ لمجرد علاقات استراتيجية، وهذا ما يتضح لنا بالمثال:
عندما عمدت السعودية على شراء صفقة طائرات "إف 15" عام 1978، تدخلت إسرائيل في تلك الفترة، وأوعزت إلى الإدارة الأمريكية بأن تكون هناك آلية لمعرفة أبعاد ما يمكن شراؤه من تلك الصفقات. وتكرر الأمر عندما حاولت السعودية أيضاً شراء أربع طائرات "أواكس" للتجسس أو الإنذار المبكر؛ إذ دخلت إسرائيل على الخط وحاولت إفشال تلك الصفقة.
واضح أن السياسة الإسرائيلية تقوم على دورها الوظيفي في الشرق الأوسط منذ زمن بعيد، وتحديداً منذ أن تحولت زمام الأمور من يد اللاعب البريطاني إلى يد اللاعب الأمريكي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبسط النفوذ الأمريكي في المنطقة. عندها قفزت الأدوات الإسرائيلية وركبت القطار الأمريكي، وبالتالي وقعت الكثير من المعاهدات والاتفاقات التي تدعم بها هاتان الدولتان نفسهما في أصل النفوذ والهيمنة على الشرق الأوسط، وكان ذلك في اتفاق أُبرم عام 1980 وعام 1981 ثم كُرر عام 1983.
وكالعادة، كانت إسرائيل تقدم نفسها بأنها من يلعب الدور الوظيفي في المنطقة؛ أولاً لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي، ولتكون القوة الوحيدة التي تضبط إيقاع الأمور في الشرق الأوسط. وعادة ما كانت تسعى للترويج لهذه القوة إذ تقدم نفسها بأنها الدولة ذات النفوذ العسكري، والعقول، والتكنولوجيا المتطورة، وأنها الدولة التي تحظى باهتمام عالمي، فضلاً عن محاولاتها المستمرة لوسم نفسها بأنها "تعلو على البشرية" وما إلى ذلك.
إن ما نريد قوله هو أننا عندما نرى الدور الوظيفي الذي تؤديه إسرائيل، يجب أن ندرك تماماً أن هذا الدور لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا في ظل ضعف الأمة العربية وقلة وعيها بما يُحاك لها من محاولات إسرائيلية دؤوبة لمنع قيام أي قوة عربية أو وحدة أو تقارب. فهي قائمة على أساس الخلاف والفرقة والتنافر والتشظي والطائفية، وهي بالمناسبة من تغذي هذا التشظي وتذكي الطائفية.
وفي مقولات "أبا إيبان" (وزير الخارجية الإسرائيلي الذي كان يصفه البعض بأنه معتدل في فترة الستينات حتى 1966)، كان يرى أنه من الواجب زرع الشك في هذه الأمة، ولكي تسود اليهودية لابد من خلق كيانات وتيارات ذات فكر أيديولوجي يحطّ من أي عمل ترابطي أو انسجامي في الأركان العربية.
ولو نظرنا إلى واقع الأمة العربية والإسلامية، سنجد أن هناك دويلات أخذت في الآونة الأخيرة بالصعود، وصارت ترى نفسها ذات قوة وتأثير وعلاقة بأمريكا، ولم تدرك تلك الدويلات "المصنّعة" أو المهندسة جيداً لتأدية هذه الأدوار خطورة ما هي فيه. لذلك صعدت هذه الدويلات حتى أدركت مدى خطورة الوضع الراهن، وربما أنها لم تدرك بعد. فطوال تلك الفترة، كانت العقول الإسرائيلية والأمريكية تفكر في كيفية زرع القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، وللأسف استُعملت الأوطان والجغرافيا العربية لهذا الإطار تحت هدف شكلي، وهو الحاجة إلى الحد من "الغطرسة الإيرانية" أو ما تحاول الوصول إليه إيران في المنطقة.
هذه الصورة الشكلية التي نُمّطت بها المنطقة، أو جرى عبرها زرع العداء بين الدول العربية وإيران، أخذت أبعاداً أخرى ستتضح لنا في اتون هذه الحرب. وربما بدأت الأمور تتكشف بأن الذي يلعب الدور المهم والبارز هو الكيان الإسرائيلي، وأن من "بلع الطعم" هي الدويلات العربية الصغير؛ التي ربما تكون أداة خطرة للعب مع الكبار.
حتى الآن، الدويلات الصغيرة هي المستهدفة بصورة أو بأخرى، لكن إن تطور الأمر وطال أمد الحرب، فستكون لها تداعيات خطيرة على دول بحجم السعودية والاردن، ودول ذات وزن استراتيجي. وبالتالي، آن الأوان أن نعقل ونمنطق الأشياء عند الحديث عن هذه الحرب، فمن حق العربي أن يفهم التجاوزات الخطيرة وانعكاساتها؛ وأولها على سياق الحرب الدارجة في غزة منذ ثلاث سنوات، حيث الحرب الضروس تهلك الحرث والنسل وتقلع الشجر والبشر ولا تتوقف، ثم تشعبها وصولاً إلى لبنان وتدميره وتهجير شعبه.
لذا، علينا إدراك المخاطر التي تتعرض لها الأمة العربية والإسلامية، والنظر إلى الرؤى الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون واضحة المعالم. في اطارها العربي والاسلامي وفي ابعادها واثرها على الانسانية جمعاء، وهذا مايجب ان يتحدث به قادة الرأي والنخب السياسية لحث الجهات الرسمية في المنطقة على الوعي بخطورة الانزلاق الى المواجهة المباشرة عندها تكون استطاعت سياسة الحفر الاسرائيلية أوقعت الجوار العربي والاسلامي ببعضه البعض .
وربما من مؤشرات الادراك المتأخر لدول الخليج هي عدم الانجرار الى الحرب والمواجهة المباشرة مع ايران .... وهو ما كان ينوي له نتنياهوا .... وبالتالي الفاتور تدفع مرتين لو حصل ذلك...
خاصة وانها تحدث في ظل غياب القانون الدولي، وتعرية وعدم شرعية قانونية للعرب كونهم مهدوا الى هذه الحرب واستعملت امريكا واسرائيل أراضيهم لبناء قواعد عسكرية بسوء نية، او وعدم تقدير للموقف...
ما نحن بحاجة اليه اليوم هو متطلبات اللحظة الاستراتيجية للتفكير بالنظر للمخاطر اذا حدثت الكارثة وزج العرب في المواجهة، حينها يقلع ترامب، ونتنياهوا قفازاتهم ليتفرغون لعقد صفقات الاسلحة التي ستحرق المنطقة، وعليه فإن سياسة ضبط النفس والدفاع قدر الامكان، والنظر الى دخول اطراف وسيطة لوقف هذه الحرب هو الخيار المهم في هذا الوقت .



