الكاتب: المهندس رائد عبد الفتاح مهنا
بعد فشل الضربات الأولية في تحقيق هدف "تغيير النظام" سريعاً في إيران يلوح في الأفق شبح حرب استنزاف طويلة . هذا السيناريو مرشح للاستمرار خاصة مع فشل الضربة الخاطفة، حيث تستطيع إيران تعويض خسائرها البشرية والمادية، مستفيدة من عمقها الاستراتيجي وتماسك مؤسساتها . لاسيما أن إيران لجأت إلى استراتيجية "الضرب في كل اتجاه" كوسيلة للردع ورفع الكلفة، مستهدفة القواعد الأمريكية في الخليج العربي وإسرائيل. هذا النهج، الذي أظهرت فيه طهران قدرة على المناورة ، يوسع رقعة الصراع بشكل كبير ويشرك دولاً مجاورة بشكل مباشر أو غير مباشر.
لقد كشفت الحرب عن الهشاشة الأمنية الخليجية، حيث تحولت القواعد العسكرية الأمريكية من عنصر قوة إلى "عبء أمني" يجعل الدول المستضيفة هدفاً مباشراً لردة الفعل الإيرانية .و باستهداف القواعد العسكرية في قطر والكويت والبحرين والإمارات وهذا يؤكد بما لايدع مجالا للشك تحول دول الخليج إلى ساحة مواجهة .حيث يشكل إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة خطراً على الاقتصاد العالمي، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز وتهديد أمن الطاقة العالمي . وهنا تعاني الإدارة الأمريكية من تخبط استراتيجي يتمثل في غياب رؤية واضحة لـ "اليوم التالي" للحرب، وتضارب في الأهداف المعلنة (من تغيير النظام السياسي وإيجاد جسم بديل قادر على إدارة الدولة وينسجم مع الإدارة الأمريكية إلى نزع السلاح النووي) مما أفقدها القدرة على تسويق الحرب لجمهورها . فبدلاً من انهيار النظام كما راهنت واشنطن ، أثبتت الدولة الإيرانية تماسكاً مؤسساتياً غير متوقع ، مما يعزز قدرتها على الصمود ويضعف فكرة "النموذج الفنزويلي" الذي سعت الولايات المتحدة لتطبيقه وبكل بساطة النموذج الفنزويلي الذي كانت تطمح له أمريكا هو تغير النظام السياسي بطبيعته الهشة الذي يعتمد على شخص الرئيس مع القدرة العسكرية المحدودة والجيش التقليدي مما أدى إلى استسلام النظام ، بينما النموذج الإيراني بنفس الهدف الأميركي وهو تغيير النظام السياسي وان طبيعة النظام السياسي المؤسساتي المعقد ويسيطر عليه الحرس الثوري الذي يسيطر علي مفاصل الاقتصاد والأمن مع امتلاك قاعدة اجتماعية وتنظيم متماسك وتمتلك ترسانة صواريخ بالستية وشبكة وكلاء إقليميين والبعد الإقليمي بتهديد القواعد العسكرية الأميركية في الخليج وأيضا من ناحية العمق الجيوسياسي كبير جدا وموقع استراتيجي وسوف تكون حرب إقليمية مفتوحة واستنزاف طويل. لماذا فشل النموذج الفنزويلي في إيران .؟ لأن إيران تمتلك نقاط قوة تفتقر لها فنزويلا فما حصل في النموذج الفنزويلي اعتمد على مزيج من الضغط الاقتصادي الخانق وعزل النظام السياسي دوليا في 3 من يناير في العام الجاري بتنفيذ علمية خاصة تم القبض فيها على الرئيس الفنزويلي مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة والهدف ليس تدمير الدولة بل تغيير السلوك كما ذكرت عبر اجبار النظام الموجود بتقديم تنازلات أو استبدال القيادة بشخصيات موالية للنظام الأمريكي . وبالفعل نجحت امريكا نجاحا كبيرا رغم امتلاك فنزويلا 19% من احتياطي النفط العالمي. وبالعودة لموضوع الهشاشة الأمنية في منطقة الخليج، حيث كشفت الحرب عن وجه آخر للمظلة الأمريكية، فلم تعد القواعد العسكرية المنتشرة في قطر والكويت والبحرين والإمارات مجرد نقاط قوة، بل تحولت إلى "أعباء أمنية" تضع هذه الدول في مرمى النيران، وتجعلها ساحة مكشوفة لأي ردود إيرانية محتملة، ومن خلال متابعتي للتصريحات الصادرة من واشنطن تعاني الإدارة الأمريكية من تخبط استراتيجي في غياب الرؤية الواضحة لليوم التالي للحرب وتضارب الأهداف التي تم إعلانها من تغيير النظام الى نزع السلاح النووي مما يطرح سؤال هل يعرفون ماذا يريدون من هذه الحرب ؟ أو السيطرة على النقط أو تعويض الصين من نقص النفط . ولا يمكن إغفال العمق الجيوسياسي الإيراني الذي يشكل عامل قوة إضافي ..... ايران دولة شاسعة تمتد على جغرافية واسعة ويبلغ عدد سكانها حوالي 90 مليون نسمة ، مما يتطلب حملة عسكرية كبيرة طويلة الأمد وليس ضربة خاطفة كما حدث في فنزويلا ، كما أن انهيارها قد يؤدي إلى فوضى عارمة وخصوصا بعد التجارب في العراق وليبيا. وضمن ما يجري يمكن القول ان ملامح المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية لأميركا حرب محدودة الأهداف تركز على تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وقطع الطريق على أي مشروع تطوير نووي ، مما يدفع إلى تغيير النظام السياسي في طهران كهدف استراتيجي بعيد المدى .وهنا أطرح عدة أسئلة : هل تريد أمريكا إضعاف الاتحاد الأوروبي؟هل يلجأ الإيرانيون إلى التوجه إلى الشمال باتجاه أذربيجان ؟وهل تريد الولايات المتحدة أضعاف الصين خلال ضرب إيران ؟



