الكاتب : تحسين يقين
قلنا من قبل أن الأمور لم تكن واضحة كما هي عليه الآن، ولكننا حين قلنا ذلك، كنا في الوقت نفسه نعرف أن أسرار العلاقات الدولية حربا وسلما أكثر ما نعرفه، حتى بعد السماح بالكشف عنها لدى الدول الكبرى صانعة الحروب واستسلام المتنافسين معها، لا صانعة السلام. واليوم مع الذكاء الاصطناعي، وكوننا مواطنين في هذا العالم نستهلك ما يتم نشره فلم نعد نعرف صحة ما نرى، ثمة رمزية أخرى تنسجم مع إشكالية فهمنا لما يدور حقا. هذا ما يتعلق بما تحت الطاولة. أما هو فوقها فيما نراه أو نحسب فإننا أمام سلوك إشكاليّ لقادة دول مسكونين بعقد الماضي والنهب أكثر ما هو التزام حقيقيّ تجاه شعوبهم.
في سعي دولة الاحتلال لتحقيق "الأمن والأمان" يتحقق ما هو العكس، فلا أمن ولا أمان، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك في الحروب المستمرة؟
مفارقة غريبة تعيشها دولة الاحتلال، والتي حتى الآن غير قادرة على التخلّص من كون الشعب الفلسطيني أمرا واقعا، فإن صارت دولة الاحتلال بمنطق القوة أمرا واقعا، فنحن كذلك أمر واقع فشل محاولات إلغائه.
غريب عالم العلاقات الدولية؛ ففي الوقت الذي "مسحت" الولايات المتحدة الأرض بأوروبا، نجدها قد هبت للتحالف، فهل هذا التصرف هو لتضمن ما تبقى من "عظم" حيث لن تمنح الولايات المتحدة "لحما" لأحد. وفقط ربما تمنح القليل منه للحليفة الأولى: دولة الاحتلال.
وغريب أن الولايات المتحدة، الدولة الكبرى، التي قوّت وجودها في بلادنا لتحميها، كانت كما يبدو زاهدة بذلك، خصوصا أن قواعد ما زالت تتعرض للقصف.
غرائب وعجائب، في الوقت الذي تزعم فيه الدولة الأولى الغازية بأنها تريد ضمان وجود حقوق الإنسان في إيران، فإنها تقوم بالحرب عليه وعلى مقوّماته وموارده. وليس هذا غريبا، فقد فعلت ذلك في العراق ثم سوريا ..
غريبة وعجيبة أمريكا الكبيرة، ولا تستحي من مناصرة دولة الاحتلال في حالاتها كافة، لذلك فهي شرّيرة، وتعلمت المكر والخداع والغدر، والأسوأ انها افتقدت الحكمة؛ فالذي يمكن أن يتحقق بالحرب، ولا ضمانة بذلك، كان يمكن تحقيقه بالسلم، فلم تكن إيران، عدوة حقيقية للولايات المتحدة، ولا كانت تخطط لضربها، وهذا ما رشح عن نقاشات الكونجرس الأمريكي.
قادت الحرب على غزة والحرب على لبنان ثم سوريا واليمن فإيران، علما بأنه كان من الممكن تجنّب الحروب، من خلال تطبيق الشرعية الدولية، بإنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطين.
الغريب والعجيب أن مفجري الحروب لا يكادون يفقهون الحديث ولا أخذ عظة من التاريخ، فلم تحقق الحرب أصلا ربحا، بل دوما نتيجتها خاسر وخاسر آخر، كلاهما وجميعهم خاسرون، والذي لا يعرفه الغازي جيّدا أن البلاد أخيرا تظل لأهلها. أما ما يقطفه الغزاة فهو ثمار مرّة.
شهوة الحرب المجنونة مرتبطة مع شهوة الاستعمار، فالرأسمالية الامبريالية لا يمكن أن ترحم البشر لا داخل بلادها ولا خارجها، ويبدو فيما يبدو أن هناك من يشنّ الحرب على الشعوب جميعها، لأنه ببساطة لا تشكل هذه الحرب مثلا مصلحة للولايات المتحدة.
صعب تقبل الفعل الأمريكي تجاه دول العالم مهما كان تصنيفها، بمبرر الدفاع عن القيم الديمقراطية، فليس بمنطق القوة يمكن أن يدار العالم، بل إن ترك التنافس شريفا، سيتيح للجميع بالعيش، وتطوير المنتوجات لا أسلحة الدمار الشامل.
هدف خبيث لدولتين سيئتين، لن يتحقق، بل ستعمّقان مشاعر الكراهية التي لا تقتصر على الدول التي تتعرّض للغزو، بل ستزداد كراهية أصحاب منطق القوة، فليس هناك ضمان لأحد بأن يظل "فتوّة العالم"، ولن تكون الشعوب راضية عن الفعل؛ فالنتائج كما يبدو، تأتي في سياق جنون ذاتي لدى قادة يقودون بلادهم والبشرية نحو شريعة الغاب.
ليس هناك ما نقوله كثيرا، بل هناك مجال، وإن ضعف، يبقى ممكنا، وهو معروف إن أصغينا إلى حاجاتنا الحقيقية لبعضنا بعضا، بعيدا عن تحالفات لا تفيدنا بقدر ما تجعلنا منهوبين، وممولين لحرب لا ناقة لنا فيها ولا بعير ولا "صوص".
وعليه، فإن لم يتغير الاحتلال، وإن لم تتغير الولايات المتحدة، فإن الذي يمكن أن يتغير فعلا نحن، إن أردنا حفظ ماء وجوهنا، وإن امتلكنا الإرادة، وليس ذلك مستحيلا.
ولأننا ننظر للغد وبعد الغد، فإن من اللازم اليوم فعل ما ينبغي فعله بالنسبة للإنسان العربي، والتفكير بعلاقة مفيدة مع الجيران من قوميات مختلفة، فلا نحالف لا إيران ولا تركيا، ولا غيرهما، ولا نعادي، فقط نقوي الحلقة القومية التي ستكون ضمان استقلال الأقطار العربية الذي لم يتحقق إلا جزئيا.
لا أحد منا بناج من هذا الجنون؛ فالعدوان يتحرك من مكان إلى آخر، لأن المطلوب ببساطة نزع القوة وتفكيك الجيوش والتسليم والاستسلام.
إن تأمل الحروب الأخيرة، وإن دلّ على القدرات العسكرية للاستعمار، فإنه يدل على أن هناك ما يمكن فعله، فليست القوة الغاشمة حاسمة الى أمد طويل، وإنه بالإمكان مقاومتها، وإن كانت هزيمتها أمرا صعبا.
لن نملّ من الحديث عن إعادة الاعتبار للعمل القومي رسميا وشعبيا؛ فالشعوب العربية غير راضية أبدا عما يتم جبر الحكومات عليه، لذلك يمكن لضمان الحكم العادل أن يعيد الشعوب للمواجهة، حيث يصعب على الاستعمار فعلا مقاومة الشعوب حيث سيضطر الى الرحيل. فما الذي ستفعله الدول الكبرى حين تثور الشعوب ضد وجودها العسكريّ؟ هل ستبيد الشعوب وهي تخرج بالملايين رافضة الذل والنهب واستلاب الكرامة؟
وأخيرا، فإن هناك مسلمة مهمة، تتعلق بالشعوب جميعها، وأقصد الشعوب الأصيلة والطبيعية، كونها جميعا لا تعادي بعضها، بل إنها تسعى للتعاون، لذلك فإنها فرصة للانقضاض على القادة المتهورين الذين يجعلون أبناء الشعوب وقودا لحروب شخصية أكثر منها حروبا حقيقية.
لا تسطو الشعوب على بعضها، بل تبيع وتشتري، وتتفاعل، وتتعاون، والجميع يستفيد ويربح، فلا خاسر هنا في العلاقات بين الشعوب.
إنها مرحلة تحالف شعوبنا العربية مع بعضها بعضا أولا ومع شعوب العالم الحرّة، ولعل الملايين التي رفضت الحرب على غزة أكبر دليل يشجعنا على المضي في إقامة تحالفات إنسانية ضد الحرب والظلم والطغيان.
مطلوب من الشعوب جميعها حتى لا تظل أسرى لمرارة الحروب مقاومة سلوك قادتها الإشكاليّ الذي يبدو أنهم مصرّون أن يكونوا أحفاد نيرون الأوفياء.



