الكاتب : أحمد دخيل
في زمن تتحول فيه الجغرافيا إلى معادلة رياضية معقدة، يبقى السؤال الفلسطيني معلقاً كندبة في جبين الضمير العربي. يسأل صديقي أمجد أبو قوش، بمرارة من لا يريد أن يصدق ما يراه، كيف لإسرائيل أن تصل إلى خامنئي في طهران خلال نصف ساعة، وإلى نصر الله في الضاحية تحت سبع طبقات من الأرض، وإلى هنية في طهران وصفي الدين بعد ساعات من تعيينه، ثم تعجز سنة ونصف عن الوصول إلى أسرى عندها، أو إلى السنوار في غزة التي لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً؟
السؤال ليس تآمرياً، بل هو ابن الألم المشروع. وسأحاول أن أفكك هذا اللغز الذي يشبه المعادلات الغامضة، بعيداً عن التفسيرات التبسيطية التي توزع الدنيا بين مؤامرة وعجز.
ما حدث في إيران ولبنان لم يكن تفوقاً استخباراتياً إسرائيلياً خالصاً، بل كان نتاج تراكم عقود من الاختراق، وحصاد بنية سياسية مهترئة. عندما يتحول النظام إلى ثكنة عسكرية، وعندما تختزل الدولة في "ولاية الفقيه"، وتتحول المؤسسات إلى أغلفة لحكم الحرس الثوري، تصبح الثغرات متاحة كالملح في البحر الميت. لا تحتاج إلى من يخبرك أين ينام القائد، لأن كل من حوله أصبح جزءاً من معادلة البقاء أو الصراع على الخلافة.
أما في غزة، فالمشهد مختلف نسبياً. إسرائيل لم تكن عاجزة عن الوصول إلى الأسرى أو السنوار لأنها لا تملك التكنولوجيا أو المعلومات. ربما شابها بعض العجز لأن الأرض هناك تتحول تحت أقدامها إلى بركان. ولأنها أرادت إطالة أمد العدوان لتبيد الشعب وتهجره، في غزة رغم أنهم وصلوا إلى قادة كثر من حماس والجهاد الإسلامي لأنهم يتبعون لمنظومة محور الممانعة ونفس العقلية في الانتحار الجمعي، رغم ذلك يظل كل بيت هو نفق محتمل، وكل مدني هو ثائر محتمل، وكل شارع هو كمين لوجود قوى فاعلة ومؤثرة من منظمة التحرير ما زالت موجودة رغم كل محاولات إنهائها من قبل أدوات المحور واسرائيل على حد سواء.
التفاوت بين دقة الاغتيالات في طهران والضاحية وعجز الاحتلال النسبي في غزة ليس تفاوتاً في القدرات، بقدر ما هو تفاوت في طبيعة المعركة. في إيران وحزب الله، تقاتل إسرائيل أنظمة يمكن اختراقها. في غزة، تواجه شعباً أعزلًا تحول إلى مشروع وجودي لا يُهزم إلا بإبادته.
لكن دعونا نكون صادقين مع أنفسنا. ما جرى في إيران ولبنان ونسبيا في غزة مع قيادات حماس والجهاد يكشف هشاشة بنية يُروج لها على أنها "محور المقاومة". نظام يمتلك مليون وستمائة ألف كيلومتر مربع، ويمد أذرعه من طهران إلى بيروت وصنعاء وبغداد وفلسطين ، ثم يخترق بهذه السهولة، معناه أن الخلل ليس في الأفراد الذين سقطوا، إنما في الفكرة التي قاموا عليها. الخلل في تحويل السياسة إلى عقيدة، والدولة إلى مشروع ثوري دائم، والمجتمع إلى ثكنة عسكرية.
منذ عقود، ونحن نسمع عن "وحدة الساحات" و"تصدير الثورة". لكن ما رأيناه أن الثورة حين تصدَّر، لا تصدِّر حرية ولا تنمية، بل تصدِّر فوائد مصارف دول منهوبة، ومخدرات التمويه التي تبتلع الشباب، وأسلحة تحول كل بقعة تصل إليها إلى أكبر مأساة إنسانية في العالم. مشكلتنا ليست مع إيران كحضارة أو شعب، فلفارس جيراننا تاريخ عريق لا يمحوه نظام. المشكلة في بنية حكم لا تعرف من السياسة إلا الاشتباك الدائم، ومن الاقتصاد إلا اقتصاد الحرب، ومن الدين إلا تسييسه وتحويله إلى أداة قمع وتوسع.
وها نحن نرى اليوم، بعد الضربات الإسرائيلية المتتالية، كيف تتهاوى هذه البنية كبيت العنكبوت. سوريا يسقط فيها النظام، وحزب الله يخسر قادته تباعاً، والميليشيات العراقية تترنح. ليس بفضل إسرائيل القوية ، لكن لان هناك مشروعاً يقوم على تصدير الفوضى لا يمكن أن يصمد طويلاً . الفوضى، خلافاً للاعتقاد السائد، لا تخلق قوة دائمة، وأنها تعمل على خلق فراغات سرعان ما تبتلع بُناتها.
أما الجماعات التي ترفع شعارات المقاومة، من حزب الله إلى حماس إلى الحوثيين والحشد، تقدم لنا درساً قاسياً في علم النفس الجماعي. لقد استعارت من تراث الطوائف الدينية المنغلقة فكرة "الانتحار الجماعي" المؤجل. وبدون السم كما فعل أتباع جيم جونز في غيانا، ولكن بتحويل الحياة كلها إلى مقدمة للموت. عندما تختزل السياسة في المعركة، وتختزل المعركة في الاستشهاد، وتختزل الدنيا في الآخرة، فأنت تخلق مجتمعاً ينتحر يومياً باسم البقاء.
علم النفس يخبرنا أن الجماعات التي تنغلق على نفسها، وتحتكر الحقيقة، وتقدس القائد، وتشيطن الآخر، تصبح قابلة لأي أمر، حتى الانتحار الجماعي. هذه الآليات نفسها تعمل في الجماعات المسلحة التي تتحول من أدوات مقاومة إلى أوثان مقدسة لا تُنتقد ولا تُراجع. تبدأ بمقاومة الاحتلال، وتنتهي باستعباد المجتمع. تبدأ بتحرير الأرض، وتنتهي بتحويل الناس إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
وهنا يبرز التناقض الأكثر إيلاماً في الخطاب الفلسطيني ذاته. فعلى امتداد تاريخنا المعاصر، حملت منظمة التحرير الفلسطينية راية النضال، وبعدها بكثير جاء الاسلام السياسي الفلسطيني، لكن بمنطقين مختلفين، ورايتين مختلفتين وأسألوا محمود الزهار، وأصبح هناك مقاومة برؤيتين متناقضين جوهرياً. تقول حركة فتح، صاحبة المشروع الوطني الجامع: "نموت... ليعيش شعبنا، وتحيا فلسطين". جملة قصية في قصرها، عميقة في دلالتها. تضع الحياة في المركز، والموت في الهامش. تعلن أن الفدائي يضحي بحياته كي يحيا الشعب، لا كي يموت. أن الدم يُراق لتزهر الحياة، لا لتتحول إلى نهر يغرق الأجيال. إنها فلسفة ترى في الإنسان غاية، وفي الوطن مشروع حياة، وفي النضال وسيلة لا غاية.
في المقابل، تقدم لنا حماس شعاراً آخر، ويعد شعار فجيعة: "سنقاتل... حتى آخر طفل في غزة". ويعتبر شهداءنا خسائر تكتيكية، هنا تتحول المعادلة رأساً على عقب. بحيث لم يعد الطفل هو الغاية التي يُقاتل من أجلها، لقد أصبح هو الوقود. لم تعد الحياة هي المنتصرة، واصبح الموت هو السيد. في هذا الشعار انعكاس مأساوي لفكرة "الانتحار الجماعي" ذاتها: أن يستمر القتال حتى يفنى آخر طفل، لا أن يستمر القتال ليحيا آخر طفل. إنه اختزال للوجود الفلسطيني في معركة لا تنتهي إلا بالفناء.
هذان الشعاران لا يجب ان يكونا عباراتان عابرتان في الخطاب السياسي، إنهما تعبيران عن رؤيتين مختلفتين للعالم، وللإنسان، وللوطن. الأولى تنحاز للحياة، فترى في الموت ثمناً مضطراً له. الثانية تقدس الموت، فترى في الحياة مدخلًا إليه فقط . الأولى تضع فلسطين في قلب الإنسان، والثانية تضع الإنسان في تابوت فلسطين.
لطالما تساءلت: كيف يمكن لخطاب يدعي المقاومة أن يصل إلى هذه الدرجة من الاغتراب عن معنى المقاومة ذاتها؟ فالمقاومة في جوهرها دفاع عن الحياة، لا طقوس موت. هي أن يحيا الطفل آمناً في بيته، لا أن يُدفن تحت أنقاضه. هي أن تزدهر المدرسة بالعلم، لا أن تتحول إلى ثكنة عسكرية. هي أن تبنى المستشفيات لتداوي الجرحى، لا أن تُقصف لتزداد قوائم الانتظار على درب الجنة.
إن التناقض بين "نموت لتعيش فلسطين" و"نقاتل حتى آخر طفل" يتعدى كونه تناقضاً تكتيكياً بحتًا، فهو تناقض وجودي يكشف عن أزمة عميقة في المشروع الوطني ذاته. أزمة تتمثل في تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، ثم إعادة احتلالها بالخطاب الذي يقدس الموت أكثر من الحياة، ويختزل الإنسان في وظيفته الجهادية، ويحول الوطن إلى ساحة معركة فقط.
نحن بحاجة ماسة إلى استعادة جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. مشروع لا يطلب من أطفالنا أن يكونوا أول من يموت، بل أول من يحيا. مشروع يرى في الدولة حلم كل فلسطيني، لا في الشهادة. مشروع يجعل من حقوق الإنسان أساساً، لا شعار. مشروع يعيد للمقاومة معناها الأصلي: الدفاع عن الوجود، لا الانتحار باسم الوجود.
لكن السؤال الأصعب يبقى: لماذا نحن ضد إسرائيل، رغم كل هذا النقد لإيران وحلفائها، ورغم هذا التناقض في خطابنا الداخلي؟ الجواب بسيط كالماء، ومعقد كالدم. إسرائيل هي الجهة الوحيدة في العالم التي تعلن، بوقاحة، سعيها لاجتثاثنا. هي التي تسلب الأرض بالجدار والاستيطان، وتصادر الحق بالتهجير والقمع، وتقتلع الأطفال من السجلات كما يقتلع المستوطن زيتونة سبقته بقرون. هي التي تحول حياتنا إلى معاناة يومية، ووجودنا إلى استثناء قانوني. لا يمكن أن نكون معها، حتى لو واجهت الشيطان نفسه. هذا لا يُعد تشنجاً أيديولوجياً، إنه الحقيقة الوجودية. إما نحن وإما هم. وفي هذه المعادلة، لا خيار لأحد.
هنا يكمن الفرق الجوهري بين نقد إيران والاصطفاف مع إسرائيل . نقد إيران نقد مشروعي وواجب، لأنها تقدم نموذجاً للدين المسيس والسلطة المطلقة التي تستهلك شعوب المنطقة في صراعات لا تنتهي. لكن هذا النقد لا يعني أن نرمي بأنفسنا في حضن أميركا أو إسرائيل. العقل الحر لا يتحرك بمنطق "عدو عدوي صديقي". القوة، حين تنفصل عن الأخلاق، تتحول إلى عبء على العالم، أي قوة كانت، وأياً كان مصدرها.
نحن ضد إسرائيل لأنها تحتل أرضنا وتهجر شعبنا وتقتل أطفالنا.
ونحن ضد نموذج الحكم الديني المسيس كحكم ولاية الفقيه،لأنه يحول ديننا إلى أداة سلطة، وشعوبنا إلى أدوات تعبئة.
نحن ضد الفكر الذي يختزل العالم في معسكرين،والإنسان في هوية واحدة، والحياة في معركة.
ونحن ضد الجماعات التي تبدأ مقاومة وتنتهي أوثاناً يُحرَّمُ المساس بها.
ونحن ضد خطاب يقدس الموت أكثر من الحياة،ويجعل من أطفالنا وقوداً لصراعات لا تعنيهم.
في النهاية، تبقى فلسطين هي المعيار. ليس فلسطين كشعار ترفعه الميليشيات لتبرر تجارة السلاح والمخدرات وتصدير الفوضى، ولا كشعار يرفعه خطاب يقدس الموت على حساب الحياة، إنما فلسطين الأرض والإنسان والحق. فلسطين التي تختزل كل التناقضات: أن نكون ضحايا لاحتلال هو الأطول في التاريخ الحديث، وأن نكون أيضاً ضحايا لاستغلال قضيتنا من قبل خطابات لا تعنينا سوى كسب الشرعية أو تقديس الموت.
سيبقى السؤال الذي طرحه صديقي أمجد معلقاً دون إجابة كاملة. لكن ربما يكون الجواب أن إسرائيل تصل إلى من تريد لأنها تقاتل أنظمة، وتفشل في الوصول إلى غزة لأنها تقاتل شعباً. ربما تكون المفارقة أن الأنظمة التي ترفع شعارات المقاومة هي الأسهل اختراقاً، بينما الشعوب التي تحمل قضيتها بدمها هي المستعصية على الهزيمة. لكن هذا الشعب نفسه، إن لم نحمه من خطاب الموت، وإن لم نستعد له مشروع حياة حقيقياً، قد يتحول من صاحب قضية إلى رقم في إحصاءات الضحايا.
كفانا حروبا... بلا سبب نموت.
كفانا خوفًا من الغد...لماذا وعلام كل هذا الذبح.
ما دامت السماء واحدة...ولكل الناس!
السماء واحدة، لكن الذين يرفعون راياتهم باسمها كثيرون.
والأرض واحدة،لكن الذين يقتسمونها بالدم أكثر.
والفلسطيني يبقى في المنتصف:بين احتلال يريد اجتثاثه، وخطاب يريد توظيفه، وخطاب آخر يريد اختزاله في معادلة الموت.
ربما يكون الخلاص الوحيد هو أن نتمسك بإنسانيتنا،ونرفض كل أشكال التوظيف، ونصر على أن تكون فلسطين للفلسطينيين، لا مشروعاً لأحد غيرهم. وأن نعي عميقاً أن فلسطين لن تحرر بموت أطفالنا، إنما بحياتهم. لن تحرر بجثثهم المتناثرة تحت الأنقاض، ستتحرر بضحكاتهم في المدارس، وبأحلامهم في الجامعات، وبإبداعهم في كل مكان.
نموت... ليعيش شعبنا.
لا نموت...لنموت.



