الكاتب : عبدالهادي بركة
بيع الوهم، وسطوة المنصب. وكيفية استغلالهما للمصالح الخاصة...
حين يُهدد المنصب، وتضيق الدوائر بالساسة، يلجأ الكثيرون منهم إلى "بيع الوهم" كمحاولة للبقاءفي مناصبهم، إن المتأمل في واقعنا الفلسطيني يجد أن السلاح كقيمة نضالية بريء تماماً مما أُلصق به من ممارسات، خاصة تلك التي استُخدمت بحق أهل غزة عشية الانقلاب الدامي؛ ذلك اليوم الذي دفع ثمنه أبناء الأجهزة الأمنية دماً ومعاناة، ليجد أهالي الشهداء منهم والجرحى أنفسهم "محاربين في أرزاقهم" نتيجة سياسات القيادة وسوء إدارتها في إيجاد الحلول.
إن السلاح كوسيلة نضال مشروعة، طالما كانت وحدة الصف، ووحدة الهدف مرصودة، ومتفقاً عليها.. لكن بالنظر لهذه الوسيلة، وواقع ممارستها: هل هذا السلاح موحد في هدفه، ورسالته؟ وإن كان منصوصاً عليه في مبادئ الأحزاب والفصائل الفلسطينية، فهل جاء بنتيجة؟
الواقع ينطق بغير ذلك؛ فهناك تناقض واضح في فكرة السلاح، وكيفية استخدامه تختلف حسب رؤية كل حزب أو فصيل. لهذا كثيراً ما جرى استغفالنا، والمتاجرة بنا عبر شعارات قد تبدو للصالح العام شريفة الطرح، لكن غايتها مختلفة تماماً.
كما إن السلاح الذي يتشدق به البعض اليوم، هو في غالبيته سلاح السلطة الفلسطينية الذي جرى استلابه، واعتباره "غنائم حرب" حين وصفت قيادات حركة حماس الأجهزة الأمنية بـ "سلطة أوسلو"، وأُصدرت الفتاوى لشرعنة ذلك الانقسام. قد يتساءل البعض: لماذا استحضار الماضي الآن؟ والإجابة تكمن في أن التاريخ هو المعلم الأول؛ نقف على أطلاله لنستمد العبرة والحكمة، ولنفهم كيف وصلنا إلى هذا الدرك .
وعليه، فإن واقع الشخصيات التي استحوذت على المناصب والمكانة التنظيمية يشير بوضوح إلى فشلها الذريع؛ فبدلاً من توظيف أدوارهم لخدمة القضية، أساؤوا للمناصب أكثر مما قدموا لها، واختاروا الانسحاب من المبادئ مقابل الحفاظ على الكرسي.
وليس مستغرباً أن تخرج علينا تصريحات هؤلاء، في خضم هذه الحرب المدمرة التي دفعت فيها غزة أثماناً باهظة جراء "مقامرة عسكرية" جلبت لنا الخراب. وما يجري من محاولات لتبرير ما حدث في 7 أكتوبر، مع تجاهل الكارثة الإنسانية، وهو ما يعكس منطق قيادات "الإخوان" التي تقوم على المكابرة وتوظيف الدين لتحقيق غايات حزبية ضيقة.
ولا أدل على ذلك من تصريحات عضو مكتب الإرشاد "خالد مشعل" الذي اعتبر خسائر المواطنين مجرد "خسائر تكتيكية"، أو تصريح موسى أبو مرزوق بأن الأنفاق بُنيت لحماية المقاتلين لا المدنيين. والمفارقة الصارخة هي هذا التبدل المفاجئ في الخطاب؛ من التشدد إلى استجداء الأدوار من "ترامب"، وصولاً إلى التنصل من أحداث 7 أكتوبر وادعاء أن من أطلق النار هم "عملاء للاحتلال" وليسوا أبناء الحركة! هذا التذبذب ينبئ بأن هناك من يرسم المشهد لهؤلاء المغيبين خلف الكواليس.
ومن العجيب أن نرى من كان يقود غزة يوماً، يُنظّر اليوم في المعاهد حول فشل منظمة التحرير وتراجع حركة "فتح"، وهو نفسه كان جزءاً أصيلاً من هذا الفشل وسبباً في التراجع الذي نعيشه.
حركة "فتح" التي قادت الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف، يبدو أن زمام الأمور يفلت من يد قيادتها الحالية شيئاً فشيئاً؛ فقد تحولت من قوة تفرض نفسها بواجباتها الوطنية، إلى قوى تنتظر الأدوار التي تُملى عليها. هذا الضعف القيادي هو ما سمح لـ "الآخر" الذي كان سبباً في هذه المقتلة ، أن يعيد تقديم نفسه كلاعب أساس ، مستغلاً تناقضات القيادة وهفواتها. وسكوت الشعب على مهازلها .
المراجعات ظاهرة صحية للتنظيم، التقييم واجب، التواصل بين الاجيال ضرورة،



