الكاتبة : لميس أندوني
يجد المتابع للنقاشات والتصريحات الأميركية حيال سورية أنّ أولوية واشنطن، إن كان البيت الأبيض أو الكونغرس، هي السعي إلى فرض سيطرة كاملة على مسار سورية ومستقبلها. هذا ما تهدف إليه أميركا، وبخاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب، وتحاول فعله في كل الدول، إذ تتصرّف كأنها تحكمها أو تحاول حكمها. لكن الوضع السوري له خصوصيته؛ فبالنسبة لواشنطن هذه فرصة لإعادة تشكيل سورية، سواءً النظام أو التحالفات أو المجتمع السوري بأكمله.
السؤال الأهم الذي يشغل مراكز الأبحاث المؤثرة وأعضاء الكونغرس الذين يتحكمون في لجنتَي العلاقات الخارجية والمساعدات المالية والعسكرية: هل يمكن اعتبار الرئيس السوري حليفاً أم يمكن أن يتبيّن أنه عدو؟... ولا يصدُر السؤال من شكوك في الرئيس أحمد الشرع، ليس بسبب ماضيه في جبهة النصرة فحسب؛ إنما أيضاً ما إذا كان من الممكن الثقة به في أن يفصل سورية عن مفهوم الأمن القومي العربي. ومعنى ذلك أن يقضي في بلده على فكرة العداء لإسرائيل. وقد جاء الجواب الأكثر دلالة ووضوحاً على السؤالَين من خبراء اعتمدت عليهم لجنة الخارجية في مجلس النواب في جلستها المعلنة "سورية على مفترق طرق" التي انعقدت في 11 فبراير/ شباط الجاري، وتبعها جدل كبير في مجلس النواب وخارجه. وهو باختصار "أن الشرع حليف يجري صنعه"، أو بمعنى أدق أن الإدارة الأميركية تعمل على تحويله إلى حليف، لكن نجاح هذا غير مؤكد. غير أنّ أعضاء لجنة خارجية النواب والخبراء المعروفين بتأييدهم القوي إسرائيل اتفقوا على أن الشرع "تحت الاختبار"، وهذا هو الرأي السائد في واشنطن، ويجري ترديده في الندوات والمناقشات.
صحيحٌ أن جزءاً مهمّاً من جلسة استماع مجلس النواب وما لحقها من حوارات في واشنطن ركّزت على "أهمية حماية الأقليات" والمدّة التي يجب أن تسمح بها واشنطن لرؤية سياسات وإجراءات حقيقية تضمن "سلامة الأقليات". وهذه في لغة واشنطن، وليس في "الحالة السورية" حصراً، غطاء للتدخّل والابتزاز الأميركيين، ولا تمثل التزاماً أخلاقياً بحقوق الإنسان، فجميع الشخصيات السياسية الأميركية ومراكز الأبحاث (تقريباً)، وأهمها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وأعضاء لجنتَي الخارجية في مجلسَي النواب والشيوخ من داعمي حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، ومؤيدي إجراءات ترامب ضد المهاجرين، ومنهم من يجاهر بعدائه العنصري للمسلمين، وهذا يجب أخذه بالاعتبار حين نحاول فهم سياسات واشنطن بشأن سورية.
يجب التوضيح هنا أنّ موقف أميركا المنافق لا يعني عدم أخذ موضوع صيانة حقوق الشعب السوري وأمانه؛ فواجب الدولة السورية حماية جميع مواطنيها ومنع التحريض الفئوي أو الإثني أو الطائفي. ولذا؛ فإنّ محاسبة الضالعين في ارتكاب المجازر في الساحل وفي السويداء مهمّة لا يمكن تأجيلها، حفاظاً على سورية وشعبها، وليس إرضاءً للجانب الأميركي الذي لا يهتم أصلاً بحقوق الإنسان، وإنما يستعملها ورقة ابتزاز سياسيّ ضدّ دول وحكومات. ...ولا يمكن تجاهل التهديدات الأميركية؛ لأن هناك لوبياً مستعدّاً لحملة لإعادة فرض عقوبات قانون قيصر القاسية على سورية، تحت شعار حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.
وعليه؛ تتحمّل الحكومة السورية مسؤولية: أولاً؛ احترام حقوق الإنسان والمواطنة لجميع السوريين. وثانياً؛ عدم إعطاء ذريعة للمجموعات التي لا يهمّها سوى المصالح الأميركية، منها الصمت السوري على الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي وتسهيل عمل الشركات الأميركية وتعميق الإجراءات الاقتصادية النيوليبرالية، فالمصالح الأميركية فوق كل اعتبار.
المؤسف أن الحكومة السورية لم تفعل ما يكفي لزرع الثقة لدى الشعب السوري، بغضّ النظر عن الإثنية أو الطائفة بحماية حقوقه. والأسوأ هو المضي في سياسات النيوليبرالية "مثل التقشف" الذي يعني حرمان الفقير والفئات العامة، وحتى المتوسّطة، من مستوى حياة كريمة. فالانصياع، كما فعلت معظم الدول العربية، لشروط صندوق النقد الدولي، بدلاً من وضع أولويات تنمية وطنية وعدم التنازل عنها في المفاوضات مع كل من الصندوق والبنك الدوليَين، إذ لا أميركا ولا المؤسّسات المالية الدولية ستقف مع الدولة السورية في حال انفجار مظاهرات الغضب في سورية.
ما يريده البيت الأبيض والكونغرس استراتيجياً، إضافةً إلى حماية أمن إسرائيل، احتواء النفوذ الروسي؛ فإنهاء هذا النفوذ، مما يتضح من النقاشات في واشنطن، ليس أولوية ملحّة، بل الأهم إنهاء النفوذ الإيراني وضرب المصالح والاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية مع الصين. ولذا؛ فرض السياسات النيوليبرالية والخصخصة هو تقويض لكل من النفوذ الروسي والصيني في سورية. وفي النهاية؛ سورية وكل البلدان ما هي إلّا مصادر إثراء لترامب والأوليغارشية الحاكمة، وقواعد لضمان بقاء حكم القطب الواحد في العالم.
ليس المطلوب محاربة أميركا، خصوصاً وأننا في مرحلة تتحكّم فيها بدول وشعوب، إنما الوعي بما تريده واشنطن ضروري، ليس لتنفيذ ما يمليه الكونغرس أو البيت الأبيض، وإنما للإفلات من أي فخ قد تجد سورية نفسها فيه. والمعادلة صعبة، وقد نجت الحكومة السورية، في الوقت الحاضر على الأقل، من فخ الدخول في اتفاقية مع إسرائيل، وهذه معلوماتٌ وليست تحليلات، خصوصاً وأن المعروض عليها التخلي عن هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. يعد سقوط النظام السابق بحد ذاته إنجازاً، لكنه لا يستمر بدون العمل على بناء لحمة داخلية.
يتضح من صمت الرئيس الأميركي على عدم توقيع سورية اتفاقاً مع إسرائيل أن هناك هامشاً للمناورة، له أسبابه، منها أن إسرائيل غير معنية باتفاق يجدّد التزامها باتفاقية فكّ الاشتباك عام 1974، بل تريد فرض أمرٍ واقع يجعل كل الأراضي السورية التي احتلتها أو عليها مواضيع غير قابلة للتفاوض، وإنّ هناك قوى داخل الكونغرس تؤيد تمدّداً إسرائيلياً أوسع داخل سورية، وهذا لم يوافق عليه ترامب، الأمر الذي يجب أن يقوّي الموقف السوري، لكن الأساس هو الالتفات إلى بناء دولة لا تؤسِّس للاستبداد في سورية الجديدة.
ليس كل ما أُريدَ أميركياً، أكان في سورية أو باقي العالم، تحقَّق، لكن أهم درس لسورية، ونتعلمه من تاريخ الشعوب، أن الشرعية يجب أن تنبع من داخل سورية. ... لنستذكر هنا أن الاستبداد كان من أهم عوامل سقوط نظام بشّار الأسد، الذي اعتمد على الدعم الخارجي، ووهم "النظام المقاوم" فيما صمَتَ عن الجولان والتوسّع الاستيطاني فيه، وعمد إلى زجّ عشرات ألوف في السجون والقصف والتغييب القسري والقتل وقصف البيوت على أهلها لفرض الموالاة، فلم تنقذه روسيا ولا إيران، أي أنّ الشعب السوري أولاً.



