الكاتب : د مجدي جميل شقوره
يشكّل التصعيد المشترك ضد إيران نقطة تحوّل حادّة في مسار الصراع الإقليمي، إذ يبدو وكأنه إعلان صريح بانتهاء مرحلة الدبلوماسية التقليدية والدخول في طور المواجهة الوجودية المباشرة. فالمشهد الراهن لا يوحي بمجرد جولة ضغط عسكرية عابرة، بل يعكس تحوّلًا استراتيجيًا أعمق يسعى إلى إعادة رسم موازين القوة في المنطقة.
التحرّك الذي تقوده إسرائيل بدعم كامل من الولايات المتحدة يهدف، وفق هذا المنظور، إلى فرض نظام إقليمي جديد بقوة السلاح، عنوانه إنهاء الطموح النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي دفعة واحدة. ويستند هذا التوجه إلى منطق استباقي يقوم على ضرب القدرات الاستراتيجية قبل أن تتحول إلى “حصانة ردعية” تجعل استهدافها لاحقًا أكثر كلفة وتعقيدًا.
الرهان لا يقتصر على تدمير منشآت أو إضعاف بنية عسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تقويض العقيدة الأمنية الإيرانية نفسها. فالمعادلة المطروحة تسعى إلى إحداث صدمة استراتيجية تُحرج النظام داخليًا، وتفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة قد تُسرّع من تآكل تماسكه الداخلي. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تترافق العمليات العسكرية مع ضربات مكثفة وعمليات نوعية تستهدف مراكز القرار والقدرات الحساسة، بهدف حسم المعادلة بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة من منظور المخططين لها.
غير أن هذه المقاربة تنطوي على مقامرة كبرى. فهي تسعى إلى ترميم الردع الغربي الذي تآكل خلال السنوات الماضية، لكنها في المقابل تضع المنطقة أمام مفترق خطير: إما إعادة تشكيل ميزان القوى وفق الشروط الجديدة، أو الانزلاق إلى انفجار شامل قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز سؤال محوري: هل يتجه حزب الله إلى خوض المعركة باعتبارها امتدادًا للصراع الإقليمي، أم يتخذ قرارًا وطنيًا يضع حماية لبنان فوق أي اعتبارات أخرى؟ فدخول الجبهة اللبنانية على خط المواجهة سيعني توسيع نطاق الحرب وتعقيد حساباتها، بينما الامتناع قد يعكس إعادة تموضع تفرضها كلفة المواجهة وحسابات الداخل.
كما أن مسار الحرب نفسه قد يرتبط بقدرة إسرائيل على تحمّل الضربات والاستمرار في التصعيد. فإذا ارتفعت الكلفة إلى مستوى غير محتمل، قد يتحرّك المجتمع الدولي سريعًا لفرض وقف إطلاق نار قبل الوصول إلى لحظة إسقاط النظام في طهران. أما إذا بقيت الضربات ضمن هامش يمكن استيعابه، فقد تطول المواجهة وتتسع دوائرها.
تبقى الاحتمالات مفتوحة، وإن كانت بعض السيناريوهات القصوى — كاستخدام أسلحة غير تقليدية — تظل رهينة حسابات ردع معقّدة وتوازنات دولية شديدة الحساسية، لما قد يترتب عليها من تداعيات تتجاوز الإقليم إلى النظام الدولي بأسره.
في المحصلة، المنطقة أمام اختبار تاريخي: إما إعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود القوة، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تغيّر شكل النظام الإقليمي لعقود مقبلة .



