الكاتب : د. مروان إميل طوباسي
لم يكن صدور بيان مشترك عن نحو مئة دولة رفضاً لإعلانات حكومة الاحتلال بشأن ضم مناطق في الضفة الغربية حدثاً دبلوماسياً عابراً ، كما لم يكن ظهور فلسطيني في جلسة ما يُسمّى «مجلس السلام» بلا أسم فلسطين وبلا عَلمها تفصيلاً بروتوكولياً . الحدثان معاً يعكسان صراعاً أعمق على المرجعية ، الأولى مرجعية القانون الدولي والأمم المتحدة ، والثانية محاولات خلق أطر بديلة تُدار بمنطق الهيمنة والقوة و انشاء حلف جديد يبدأ من غزة من جهة اخرى .
فالضم الإستعماري الجاري بقرار حكومة الأحتلال بصمت امريكي ليس إجراءً إدارياً ، بل إعلان صريح بأن القوة يمكن أن تحل محل القانون ، وبأن مبدأ عدم جواز الأستيلاء على الأراضي بالقوة قابل للتجاوز وبأن الإستعمار يمكن ان يُعاد تدويره . إنه أختبار للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية . وإذا جرى تمرير الضم دون تبعات ، فسيكون ذلك سابقة تفتح الباب أمام إعادة تعريف السيادة والحقوق وفق موازين القوة لا وفق القواعد الملزمة .
غير أن الأخطر من الضم ذاته هو الإطار السياسي الذي يُراد له أن يحتضنه ، فالمحاولات الأمريكية لتهميش المرجعية الأممية المتمثلة في هيئة الأمم المتحدة ، وإحياء ما يُسمّى «مجلس السلام» برئاسة ترامب لمدى الحياة وعضوية نتنياهو في محاولاتهم انشاء حلف جديد ، تعكس توجهاً لإعادة هندسة الصراع خارج إطار القانون الدولي ، واستبداله بترتيبات انتقائية ، خاصة بما صدر عن السفير الأمريكي هاغابي من دعوة الى حق اسرائيل بالسيطرة على كل المنطقة .
وفي هذا السياق ، لا بد من التمييز بين قرار أمس بالموافقة على إنشاء "مكتب ارتباط" بين السلطة الوطنية ومكتب نيكولاي ميلادينوف بصفته مندوباً سامياً مُذكراً بالإنتداب البريطاني ومسؤولاً عن اللجنة التنفيذية ، وبين أي إيحاء بوجود ارتباط سياسي فلسطيني مع مكتب رئيس «مجلس السلام» . فالأول ، في حال وُجد ، يبقى في إطار تنسيق تقني ضمن مهام محددة ، بينما الثاني يحمل دلالة سياسية تمسّ جوهر المرجعية والتمثيل ، فالخلط بين المستويين يُربك الصورة ويُفتح الباب لتأويلات تمسّ الموقع الوطني .
هنا يتقاطع البعد الدولي مع البعد الفلسطيني الداخلي ، فحين يُختزل التمثيل في «لجنة إدارة غزة» ، ويغيب أسم فلسطين وعلمها واسم المنظمة ، أو مِن ذكر الشعب الفلسطيني أو الإشارة لحق تقرير المصير والدولة في كلمة لجنة إدارة غزة أمام المجلس المذكور حين انعقاده في نيويورك قبل ايام ، نكون أمام تحول في تعريف القضية نفسها . أن المسألة هنا ليست شخصية ، بل سياسية . فهل تتحول القضية من مشروع تحرر وطني شامل تقوده منظمة التحرير الفلسطينية بمكانتها التمثيلية والدولية والتي دفع شعبنا تضحيات هائلة في سبيلها ، إلى ملف إنساني وإداري محدود؟ وهل يُفصل القطاع عن الضفة والقدس تحت عنوان «المعالجة الواقعية»؟
إن اختزال الصراع في إدارة الأزمة الإنسانية يخدم اتجاهاً يسعى لفصل الجغرافيا الفلسطينية ، وتحويل الحقوق الثابتة إلى ملفات تفاوضية مؤقتة . والوصاية التي لا تنتهي بإنهاء الأحتلال ضمن جدول زمني واضح ، تتحول إلى صيغة أخرى من السيطرة، حتى لو حملت عنوان «الأستقرار» أو عنوان "ازالة تداعيات الكارثة" التي صنعتها اسرائيل بمساندة أمريكية ، والتي نريد لإهلنا في غزة تجاوزها والخروج منها .
بيان المئة دولة قبل أيام ، بما فيها الصين وروسيا ودول أوروبية يمثل رفضاً مزدوجاً ، للضم ولمحاولة تجاوز المرجعية الدولية . لكنه لن يكون كافياً إذا بقي في حدود اللغة الدبلوماسية ، فالدفاع عن النظام الدولي يقتضي إجراءات عملية ، من دعم المساءلة القانونية إلى رفض أي أطر بديلة تنتقص من قرارات الأمم المتحدة أو تفرغها من مضمونها وحتى من جوهر القرار الأممي الأخير بشأن غزة .
أما فلسطينياً ، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض ، بل على الإطار الذي تُدار فيه القضية ، فهل تبقى ضمن منظومة القانون الدولي ، أم تُنقل إلى فضاء الصفقات وإعادة توزيع النفوذ؟ أي قبول بمرجعيات بديلة تحت عناوين "الإدارة المؤقتة" أو "لجان إدارة السكان" يحمل خطر تثبيت الأحتلال لا إنهائه . إنها معركة تعريف بقدر ما هي معركة حدود ، فإما أن يعلو القانون والحقوق على القوة ، أو يُعاد تعريفه على صورتها .
وبين حضور بلا فلسطين ، وصمت فلسطيني رسمي لا يُطمئن ، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله :
هل نحن أمام معالجة ظرفية لمرحلة صعبة ، أم أمام إعادة هندسة هادئة للنظام السياسي الفلسطيني تحت عنوان "إدارة غزة" ؟ تمهيدا لنسخ ذلك بالضفة تحت عناوين "لجان أدارة السكان" ؟ وبالحالتين فان مِن حق شعبنا ان يعلم ذلك .
ولعل السؤال الذي يجب أن يُستعاد اليوم ، هو كما طُرح في الأنتفاضة الأولى الكبرى ، ليس كيف ندير حياتنا تحت الأحتلال ، بل متى ينتهي الأحتلال ؟ وكيف نُعيد تعريف فعلنا الوطني بعيداً عن المعايير التي صاغها من يَحتل أرضنا ؟
ففي زمن التحولات الكبرى ، يبقى الدفاع عن الأسم والعَلم ليس رمزية فارغة ، بل دفاع عن الوطن والشعب والقضية .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح "



