الكاتب : محمد جرادات
هناك في اليونان وميض يخطف عقل نتنياهو، فهو بالأمس القريب كان يشكو عزلة "إسرائيل" الدولية، وعليه دعا إلى اتباع النموذج الإسبرطي اليوناني التاريخي في التدريع العسكري والاقتصادي لكل الشعب الإسرائيلي، على طريق تحقيق الاستقلال الأمني، ولكنه اليوم يكتشف فجأة أنه يمكن لـ "إسرائيل" صياغة محورها العالمي الخاص مع اليونان والدول التي ترى الواقع بشكل صحيح، وما بين اليونان الإسبرطية حتى يونان اليوم، ثمة بون شاسع لا يسع تناقضات نتنياهو وفضاء غطرسته.
وقد اعتبر نتنياهو أن هذا المحور الإسرائيلي نابع من رؤية ستخلق نظاماً كاملاً، عبر محور سداسي من التحالفات داخل الشرق الأوسط وحوله، بما يشمل الهند ودولاً عربية وأخرى أفريقية ومتوسطية مثل اليونان وقبرص، إضافة إلى دول آسيوية لا يذكرها في الوقت الحالي، والغاية من هذا المحور أو التحالف هي تشكيل كتلة دولية تتشارك الرؤية نفسها تجاه الواقع والتحديات والأهداف، وفي مواجهة ما سماه المحاور المتطرفة، وهي المحور الشيعي الراديكالي الذي ضربته "إسرائيل" بقوة، والمحور السني الراديكالي الناشئ، بحسب تعبيره.
يأتي تصريح نتنياهو هذا حول تشكيل المحور الإسرائيلي في سياق تصاعد تصريحاته الخطيرة منذ هجوم السابع من أكتوبر، وخصوصاً حول مشروع رؤية "إسرائيل الكبرى"، وقد تبعه فيه السفير الأميركي في القدس هكابي منذ أيام قليلة، ما يشير إلى جدية هذه التصريحات وصعوبة تنفيذها، وهو ينطلق في رؤية محور كهذا مما يعتبره قدرة إسرائيل المتنامية في تحولها إلى قطب عالمي مكتمل الأركان.
ولا يخفى أن دعوة كهذه موجهة بالأساس إلى الداخل الإسرائيلي، و"إسرائيل" على عتبة انتخابات مصيرية تتحسس رقبة نتنياهو، فإما أن يخرج منها باعتباره ملك "إسرائيل" العظيم، وإما أن يخرج منها إلى الزنزانة وقد طال أمد محاكمته، وهذا الداخل يستعر بالمزايدات الحزبية، وقد ثبت أنه يتأثر بالهياج الصبياني، ما يفسر تصاعد قوة بن غفير الشعبية وسط المتطرفين، مقابل تراجع قوة سموتريتش، على الرغم من حيوية دوره الاستيطاني وتأثيره العميق في حكومة نتنياهو.
وهذه الدعوة لتشكيل محور إسرائيلي مع الإشارة إلى الهند وهي أكبر تجمع سكاني في العالم بعدما تجاوزت الصين، في وقت يتوقع وصول رئيس وزراء الهند مودي لزيارة "تل أبيب"، وهو المتهم بفضائح إبستين. وقد تعززت علاقاته الشخصية مع نتنياهو، ولكن كيف يمكن لهذا المحور أن يكون إسرائيلياً ولا يتجاوز عدد سكان الكيان الإسرائيلي عشرة ملايين نسمة، ربعهم من العرب، فيما يقارب عدد سكان الهند ملياراً ونصف مليار نسمة، ثم عليهم أن يخضعوا للمحور الإسرائيلي مع أفقر دولة أوروبية، وهي اليونان، ومع جزيرة قبرص اليونانية المتنازعة مع قبرص التركية، ومع دولة الإمارات المنبوذة عربياً، وهي الدولة التي لا يمثل فيها العرب سوى 20% من عدد السكان، يضاف إلى هذا الكوكتيل دولة أرض الصومال المنشقة عن الصومال، والتي لا تحظى باعتراف دولي إلا من "إسرائيل".
محور إسرائيلي مقابل المحور الشيعي والمحور السني، في تصنيف مذهبي، وهو يقصد إيران كعنوان للتشيع وتركيا كعنوان للتسنن، ولكنّ إسرائيل عنوان ماذا في هذا السياق؟ هي عنوان للمشاركة في رؤية الواقع والتحديات والأهداف، ولم يوضح نتنياهو طبيعة التحديات المشتركة مع الهند واليونان، وهو يشير إلى المحاور المتطرفة، ويؤكد أن المحور الشيعي ينهار بفعل الضربات الإسرائيلية، فيما السني آخذ بالتشكل، في توقيت سياسي عكسي يقف فيه العالم على رجل واحدة، وخصوصاً الكيان الإسرائيلي، بانتظار نتيجة المفاوضات الماراثونية بين واشنطن وطهران.
والسؤال الذي يطرح نفسه إن كان الكيان الإسرائيلي يملك في حقيقة الأمر فضاء كهذا ليشكل محوراً كهذا؟
سبق لهرتسي هليفي، رئيس أركان "جيش" الاحتلال الإسرائيلي السابق، أن حاضر قبل سنوات لعدة ساعات في مؤتمر هرتسيليا المتخصص بالمناعة الأمنية الإسرائيلية، وهو يقارن بين إيران و"إسرائيل". وقد خلص يومها، وهو الملقب إسرائيلياً بالفيلسوف، إلى أن عمق الجغرافيا الإيرانية واتساع آفاق الاقتصاد الإيراني مع الوفرة في عدد السكان في ظل نظام راديكالي ثوري ديني يعطي أفضلية لإيران على "إسرائيل"، على الرغم من قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، في أي مواجهة عسكرية، بحيث يمكن لإسرائيل أن تؤذي إيران بقوة، لكن الحد الأدنى من الأذى الإيراني لإسرائيل يكون ذا فاعلية أعمق.
تشير النتائج التي سبق أن خلص إليها هليفي المُقال من قبل نتنياهو، إلى المأزق الجيواستراتيجي الإسرائيلي، على الرغم مما تتمتع به إسرائيل من دعم غربي أميركي هائل، وهو ما يؤدي إلى نجاحها في الاغتيالات وصمودها في الحرب مع الفتك بخصومها، وخصوصاً وسط الحواضن الشعبية، ولكن مع المراوحة في مستنقع تآكل هيبة الردع، ما يحول دون الحسم، حتى جاء النجاح الإسرائيلي الأميركي بإسقاط نظام الأسد، وهو ما اعتبره نتنياهو تغييراً لوجه الشرق الأوسط، وأن سياسته وحروبه هي التي أدت إلى ذلك، كما أدت إلى التطورات في لبنان والضفة وغزة وسوريا، وقد صارت فضاءً مفتوحاً للاستهداف الإسرائيلي دون تكلفة الحرب.
وكان زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد قد سخر من دعوات نتنياهو للاستقلال الأمني عن الغرب، واعتبرها هراء مُضلّلاً، ورأى أن نتنياهو يتحدث كما لو كنا في العصور الوسطى، وقد أمر حداد المملكة بصنع سيفٍ له، لنذهب إلى العالم الحقيقي، وقد استعرض أمثلة في عجز "إسرائيل" عن استقلال كهذا قائلاً: "طائرة F-35 التي قصفنا بها إيران، بلغت تكلفة تطويرها نحو 1.7 تريليون دولار، هذا يعني أن تكلفة تطويرها وحدها تعادل نحو 60 ضعف ميزانية الدفاع الإسرائيلية بأكملها. غواصات "دولفين" الشهيرة استغرقت ألمانيا ما يقارب 10 سنوات لتطويرها وبنائها، بتكلفةٍ بلغت عشرات المليارات من الدولارات. سفن ساعر 6، صحيح أنها تُصنع أيضًا في ألمانيا، لكن محركاتها تُصنع في إنجلترا، كم سنة ستستغرق "إسرائيل" لإنتاج محركات بهذا المستوى؟
من الصعب الجزم، فالألمان لم ينجحوا، وكما ذكرنا، فهم قوة صناعية بحرية هائلة، في أحسن الأحوال، قد يستغرق الأمر من عشرين إلى ثلاثين عاماً. أنظمة رؤية ليلية من فرنسا، وأنظمة اتصالات وقطع غيار ناقلات جند مدرعة من كندا، وأنظمة سونار متطورة من النرويج، وطائرات تدريب من إيطاليا"، وقد خلص لابيد إلى أن "نتنياهو يريد الآن إنتاج كل هذا بنفسه؟ بأي ثمن؟ وفي كم من الوقت؟ ما الذي يتحدث عنه بحق الجحيم؟".
تغصّ دعوة نتنياهو لتشكيل المحور الإسرائيلي العالمي بالهشاشة، في وقت تعجز "إسرائيل" عن حسم حربها مع ما سماه المحور الشيعي المنهار، فتضطر إلى استدعاء القوة الأميركية لتنقذها في حرب حزيران، سواء بالتدخل العسكري المباشر، أو بإمدادها بمنظومة ثاد لاعتراض الصواريخ الإيرانية التي أخذت تطيح رموز القوة في "إسرائيل"، حتى طالبت بوقف الحرب، ولو أن تضربها إيران لساعات ختامية دون رد، فيما هي اليوم تنتظر قرار ترامب في مهاجمة إيران مجدداً، ما يشير إلى عبثية زعم انهيار هذا المحور، وإن تعرض بالفعل لضربات قاسية. والأهم أن ذلك يؤكد أن "إسرائيل" غير مؤهلة لأدنى قدرة على تشكيل محور عالمي، وإن امتلكت بعض الميزات التقنية في مجال التجسس والتكنولوجيا والزراعة، التي تسلب عبرها عقول بعض الحمقى من زعماء العالم الثالث.



