الكاتب : د . بسام سعيد
في سياق الانهيار الشامل للبنية التحتية في قطاع غزة، برزت ظاهرة اجتماعية يمكن توصيفها بـ"ثقافة الطوابير" بوصفها شكلاً مستجداً من أشكال تنظيم المجال العام وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية في ظل الحرب والندرة. لقد تحولت الطوابير إلى بنية اجتماعية قائمة بذاتها، تُعاد داخلها صياغة أنماط التفاعل، وتُنتج فيها معانٍ جديدة للحضور الجمعي، والانتماء، والبقاء. لقد أصبحت الشوارع والساحات ومحيط المؤسسات الإغاثية وما تبقي من شركات الاتصالات والبنوك فضاءات مكثفة للحياة الاجتماعية، في مدينة تتآكل بنيتها المادية لكنها تستمر عبر اجتماع أهلها.
الطابور أمام التكايا، ومراكز توزيع المساعدات، وما يُعرف بالكابونات الغذائية، ونقاط توزيع الطحين والدقيق، لم يعد مشهداً استثنائياً بل تحول إلى روتين يومي ينظم إيقاع الحياة. وكذلك الحال في طوابير انتظار المياه، حيث يقف الناس بالساعات لملء عبواتهم، وفي طوابير قضاء الحاجة في مراكز الإيواء المكتظة، حيث يتحول أبسط فعل إنساني إلى ممارسة جماعية مؤطرة بالانتظار. حتى أمام البنوك، كان بعض المواطنين يقفون منذ ساعات الفجر الأولى على أمل الوصول إلى موظف البنك لحل مشكلة إدارية وليس للسحب أو الصرف نظرا لعدم توافر سيولة نقدية ، في مشهد يعكس تحوّل الزمن اليومي إلى زمن انتظار طويل ومفتوح.
ضمن هذا السياق، لم يعد الطابور مجرد خط مستقيم من الأجساد المنتظرة، بل غدا فضاءً تفاعلياً تتشكل داخله علاقات مؤقتة لكنها كثيفة الدلالة. في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت ورداءة وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب الراديو والتلفزيون، أصبح الطابور وسيلة إعلامية بديلة. كان الناس يتبادلون الأخبار حول أسعار السلع وارتفاعها، ويتناقلون الشائعات والتكهنات بشأن هدنة محتملة، أو تحذيرات من مناطق يُتوقع استهدافها، أو معلومات عن موجات نزوح جديدة. أو قرب فتح المعبر ، هذه الأحاديث، مهما بدت عفوية، كانت تمنح الأفراد قدراً من الإحساس بالأمان المعرفي؛ فالمعلومة المتداولة شفهياً تُخفف من وطأة الغموض، وتمنح شعوراً بالمشاركة في فهم ما يجري.
كما كان الطابور مساحة لتفريغ الشحنات النفسية المتراكمة. يتشارك الغرباء قصص فقدانهم، وحديثهم عن البيوت المهدمة، وعن أقارب نزحوا أو فُقدوا، وعن صعوبة الحياة في الخيام أو البيوت المكتظة. هذا التشارك أنتج ما يمكن تسميته بـ"الألفة القسرية"، حيث تنشأ روابط مؤقتة بين أشخاص جمعهم الانتظار والمصير المشترك. وفي الوقت ذاته، نشأ داخل الطوابير نظام عفوي لإدارة الدور، تُحترم فيه أسبقية الحضور، ويبرز فيه أفراد يتولون تنظيم الصف أو فض العراك و النزاعات إن حدث ، في تجسيد لرغبة جماعية بالحفاظ على حد أدنى من النظام وسط انهيار الأطر المؤسسية.
غير أن ثقافة الطوابير أفرزت أيضاً أنماطاً اقتصادية جديدة تعكس منطق الندرة. فقد ظهر بين بعض الشباب من يقف في الطابور منذ وقت مبكر ليحجز دوراً متقدماً، ثم يبيعه مقابل مبلغ من المال، محولاً "المكان في الصف" إلى سلعة قابلة للتداول. بذلك أصبح الانتظار نفسه مورداً اقتصادياً، وأصبح الزمن المبذول في الطابور شكلاً من أشكال رأس المال الصغير في اقتصاد الحرب.
أما الطوابير أمام ماتبقى من شركات الاتصالات ونقاط شحن البطاريات وبيع بطاقات رصيد الهواتف ، فقد جسدت شكلاً آخر من أشكال التمسك بالحياة، يتمثل في السعي إلى البقاء على اتصال بالعالم الخارجي. كان البحث عن إشارة أو شحن هاتف لا يعني مجرد استخدام جهاز تقني، بل يعني الحفاظ على خيط رفيع يربط الفرد بأقاربه وأخباره ومحيطه. هناك، كما في بقية الطوابير، كان الناس يتبادلون الأخبار والتحليلات، ويتناقشون في احتمالات التهدئة أو استمرار القتال، ويتداولون معلومات حول أماكن توفر السلع أو المياه، او تبادل اسماء الجمعيات التى تقدم أكواد المساعدات في مشهد يعكس تشكّل فضاء عام بديل قائم على التواصل الشفهي المباشر.
إن طوابير الماء، والمساعدات، والتكايا ، والدقيق، والبنوك، وقضاء الحاجة، والاتصالات، تمثل مجتمعة بنية اجتماعية متكاملة أعادت تشكيل المجال العام في غزة. لقد أُعيد تعريف المدينة لا عبر مؤسساتها الرسمية، بل عبر اصطفاف سكانها في خطوط انتظار طويلة. في هذه الخطوط، تتراجع الفوارق الاجتماعية السابقة أمام معيار واحد هو الاحتياج، ويقف الجميع في المسافة ذاتها استاذ جامعى ، طبيب ، سائق ، عامل ، طلباً للبقاء. وهكذا، لم يعد الانتظار فعلاً سلبياً، بل تحول إلى ممارسة اجتماعية منتجة للمعنى، تُبقي على الحد الأدنى من التضامن، والمشاركة الوجدانية ، او كما يقال" الموت مع الجماعة رحمه " في سماء لاتفارقها أصوات المسيرات تمنح الأفراد شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الخوف والجوع.
إن دراسة ثقافة سوسيولوجيا الطوابير في غزة تكشف أن المجتمع، حتى في أقصى حالات الهشاشة، يعيد إنتاج ذاته عبر أبسط الممارسات اليومية. فالضجيج المتولد من أحاديث المنتظرين، وتبادلهم للأخبار، وتنظيمهم لأدوارهم، ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو دليل على استمرار الحياة الاجتماعية . لقد تحولت الطوابير إلى شكل بديل من أشكال المجال العام الذي يحفظ للناس حضورهم الجمعي في لحظة تهديد وجودي شامل.
* أكاديمي وباحث



