الكاتب : د بسام سعيد
للدخان في غزة حكاية… وحكاية لا تنتهي. والضحايا، في معظم الأحيان، هم المدخنون أنفسهم.
كثيرون ينصحون المدخنين بالإقلاع عن التدخين رحمةً بصحتهم وبظروفهم، لكن المفارقة أن معظم المدخنين هم من الفقراء، أولئك الذين أثقلتهم الحياة حتى صار الدخان جزءًا من قدرتهم على الاحتمال. القضية هنا ليست مجرد عادة سيئة يمكن التخلي عنها بقرار عابر؛ بل هي علاقة معقدة بين البؤس والفقر وواقع معيشي قاسٍ."سيجارة في زمن الحرب"
سألتُ يومًا أحد المدخنين، وكان حاد المزاج، عن سبب تمسكه بالسيجارة رغم كل شيء. أجابني بنبرة تعب:
"القضية ليست دخانًا فقط… في هذه الظروف لا نستطيع التخلي عنه. هو الرفيق، والمؤنس، والملاذ في أوقات الشدة، حين تضيق الحيلة وينعدم الأمل."
ثم أضاف بمرارة ساخرة:
"مش بيقولوا فقر وقلة كيف ! طيب ما إحنا فقراء فعلًا! دعنا نعيش لحظات سعادة داخلية، ولو كانت وهْمًا."
ويردد بعض الشباب عبارة تختصر المشهد كله: "هات دخان وخذ صمود."
قبل الحرب، كانت أسعار السجائر مقبولة نسبيًا. كان مشهد الشباب العاطلين عن العمل، الجالسين على عتبات بيوتهم في المخيمات، يحتسون القهوة والسيجارة لا تفارق أيديهم، مشهدًا مألوفًا. كانت السيجارة آنذاك استراحة قصيرة من واقع البطالة والانتظار الطويل.
لكن مع دخول الحرب واشتدادها، شحّت السجائر وارتفعت أسعارها إلى حدّ لا يُصدّق. قيل إن التجار وراء ذلك، وقيل إن الأمر سياسي وإن الاحتلال يمنع دخولها إلى القطاع. لكن المدمن على السجائر لا يعنيه من يمنع أو من يحتكر؛ كل ما يهمه أن يدخن. إنه "الكيف" و"المزاج"، خصوصًا في زمن الحرب، حين يصبح الإنسان هشًّا أمام تفاصيل صغيرة.
فما العمل في ظل هذا الواقع الخانق؟
الحاجة، كما يقولون، أمّ الاختراع. لجأ بعض الناس إلى زراعة التبغ وتجفيفه بطرق بدائية. ووسط الفوضى، اتجه آخرون إلى غشّ السجائر، بخلطها بأعشاب أو أوراق شجر، عرفت منها اوراق الملوخية كما أسر لي احد التجار الاشقياء ، مع إضافة مواد كيميائية تمنحها نكهة أقوى، أو كما يُقال: "ثقيلة وتعبّي الدماغ". تفنّن التجار في التكيّف مع الأزمة، فظهرت أفكار غريبة، مثل تقسيم السيجارة إلى نصفين أو ثلاثة لتسهيل بيعها، ولفّها بورق رقيق صُنع خصيصًا، مع فلتر بسيط.
انتشر كذلك الدخان المحلي، الذي سُمّي "الشامي" أو "العربي"، ويتندر البعض عليه بعبارة: "لفّ وتفّ".
ومع ندرة السجائر، ازدهر سوق جديد في وسط البلد، سُمّي "سوق السجائر". يتجمع فيه روّاده، ومعظمهم من الشباب العاطلين عن العمل، بوجوه متعبة، عابسة، أنهكها الجوع وقلة النوم ينادون سجاير. سجاير ، أوتومان ورق أصلى .
أصبح كل من يمتلك مهارة في زراعة التبغ أو تجهيزه تاجرًا، وتدفقت الأموال في أيدي البعض حتى صرنا نميّز بائع السجائر من رزم النقود التي يحملها، تلك التي سُمّيت "الربطات الزرق". تراهم يجلسون في المقاهي البسيطة، يدخنون أنواعًا فاخرة، ويطلبون الأرجيلة باهظة الثمن، بينما ينظر الفقراء إليهم من بعيد بعين الحسد والغيرة.
في أحد الأيام، صادفت طفلًا يجمع أعقاب السجائر من الأرض. سألته: لماذا تفعل هذا ؟ هذا غير صحى !
أجاب بعين مكسورة: "والدي مدخن، ولا يملك ثمن سيجارة ، وطلب مني أن أجمعها ليصنع منها سيجارة."
رغم إدراك الجميع لمدى خطورة ذلك صحيًا، إلا أن انعدام الأمل، واللامبالاة، وما يمكن تسميته بالاغتراب النفسي، يدفع الناس إلى سلوكيات تُساوي بين الحياة والموت. حتى إن أحد كبار السن قال لي جملة تختصر المشهد كله:
"كل شيء في غزة ارتفع ثمنه… إلا الموت، هو الأرخص."
في غزة، لم يعد الدخان مجرد عادة، بل صار لغة صامتة للألم، ووسيلة مؤقتة للهروب من واقع يفوق الاحتمال. هو لحظة هدوء مزيفة في بحر من الفوضى، وأنفاس قصيرة يتشبث بها الناس كي لا ينهاروا بالكامل. وبين من يلوم المدخن ومن يحرم الدخان ، ومن يتاجر بأوجاعه، يبقى السؤال معلقًا: حين تضيق الحياة إلى هذا الحد، هل نلوم الإنسان لأنه يبحث عن وهمٍ صغير يجعله قادرًا على مواصلة يومٍ آخر؟
* أكاديمي وباحث



