الكاتب : د بسام سعيد
لم تعد الخيمة فى غزة رمزًا لرحلة عابرة أو تجربة مؤقتة، بل تحولت قسرًا إلى بديل عن البيت المفقود، وإلى مساحة حياة تُفرض على الإنسان بعد أن سُلب منه مأواه وأمانه. فالعيش في الخيمة لفترة قصيرة قد يُحتمل، أما حين تطول الإقامة وتصبح واقعًا يوميًا تحت وطأة النزوح وفقدان المنزل، فإن الخيمة تنتقل من كونها أداة إسعاف إنساني طارئة إلى إطار قاسٍ للحياة، تظهر داخله آثار نفسية واجتماعية وأُسرية عميقة، لا يمكن اختزالها في الفقر المادي وحده.
فعلى المستوى النفسي، يرتبط السكن طويل الأمد في خيام النزوح في غزة بشعور مزمن بعدم الاستقرار وانكسار الإحساس بالأمان. فالبيت ليس جدرانًا فقط، بل ذاكرة وهوية وامتداد للذات، وحين يُفقد فجأة تحت القصف أو الهدم، ويُستبدل بخيمة هشة لا تقي حرًّا ولا بردًا، تتزعزع الركائز النفسية للإنسان. هذا الواقع يولد قلقًا دائمًا، يظهر فى شكل ، توتر عصبي، واضطرابات في النوم، تتفاقم مع الضوضاء، والاكتظاظ، وانعدام الخصوصية، والخوف المستمر من المجهول. ومع طول النزوح، قد يتطور هذا الضغط إلى شعور بالعجز، وانكسار الكرامة، وفقدان السيطرة على المصير، خصوصًا حين يدرك الإنسان أن الخيمة لم تعد مؤقتة، بل امتدادًا قسريًا لمعاناة بلا أفق واضح.
أما سلوكيًا، فيفرض العيش في الخيام في غزة أنماطًا ضاغطة من التفاعل اليومي. ضيق المساحة وغياب الحدود بين مجالات الحياة المختلفة كالنوم، والراحة، والطهي،و البكاء، وحتى الحزن يؤدي إلى ارتفاع حدة التوتر وسرعة الانفعال.فيثور لاتفه الأسباب فيصبح الفرد مكشوفًا على الدوام، بلا مساحة خاصة ينسحب إليها، ما يضعف القدرة على تنظيم الانفعالات ويزيد من احتمالات السلوك العصبي أو العدواني، أو على العكس، الانسحاب والانغلاق. كما قد تظهر سلوكيات أهمها فقدان اللامبالاة أو التفلت من الضوابط، والاغتراب فعل نفسي على الإحساس بأن النظام الطبيعي للحياة قد انهار.
اما اجتماعيًا، فقد أعاد النزوح الجماعي في غزة تشكيل العلاقات بين الأفراد والمجتمع. فمن جهة، نشأت أشكال تضامن وتكافل إنساني بين النازحين، فرضتها المعاناة المشتركة وتقاسم الألم. ومن جهة أخرى، تعمّق الإحساس بالتهميش والعزلة، ليس فقط عن العالم الخارجي، بل أحيانًا داخل المجتمع نفسه. الخيمة لم تعد مجرد مأوى، بل أصبحت علامة على الفقد، والاقتلاع، والهشاشة، ما قد يرسخ شعورًا داخليًا بالوصم الاجتماعي، ويؤثر في احترام الذات، وفي فرص التعليم والعمل، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين ينشأون في بيئة لا تشبه الحياة التي يفترض أن يعيشوها.
أما الأثر الأُسري، فيُعد من أكثر الأبعاد إيلامًا في تجربة الخيام في غزة. فالخيمة لا تمنح الأسرة الحد الأدنى من الخصوصية التي تحفظ التوازن في العلاقات الزوجية أو التربوية. فالتوتر المستمر، وضيق المكان، وتراكم الصدمات، كلها عوامل تزيد من حدة الخلافات، وتضعف الحوار، وتستنزف الروابط العاطفية. وبالنسبة للأطفال، فإن فقدان البيت، والتنقل القسري، والعيش في خيمة بلا استقرار أو روتين، يهدد شعورهم بالأمان، ويؤثر في نموهم النفسي والتعليمي، وقد يترك آثارًا طويلة الأمد على شخصياتهم وصورتهم عن العالم.
تأسيسا على ما سبق يمكن القول : إن الخيمة في سياق غزة ليست خيارًا ولا تجربة، بل نتيجة قسرية لفقدان البيت والمأوى تحت وطأة الحرب والنزوح. وحين تتحول إلى مسكن طويل الأمد، فإنها لا تمس فقط مستوى المعيشة، بل تضرب في عمق التوازن النفسي والاجتماعي والإنساني للفرد والأسرة. فالسكن ليس مجرد سقف يحمي من المطر، بل هو إحساس بالانتماء والكرامة والاستمرارية، وحين يُسلب هذا الإحساس، كما يحدث اليوم في غزة، تتشقق معه حياة الإنسان من الداخل قبل أن تتشقق الخيام من الخارج.
* أكاديمي وباحث في التنمية



