الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة
في الآونة الأخيرة، أطلق المحكّم الشرعي الأستاذ زهير أبو صبح تصريحًا صادمًا للرأي العام حين أشار إلى أن نسبة الطلاق قبل الخلوة والدخول في فلسطين تجاوزت 75%، وهي نسبة غير مسبوقة تحمل في طياتها دلالات خطيرة على التحولات الاجتماعية والنفسية والقيمية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
هذه الظاهرة ليست مجرد أرقام تُسجَّل في المحاكم الشرعية، بل هي مؤشر عميق على خلل بنيوي في منظومة الاختيار الزواجي، والاستعداد النفسي، والتصورات الواقعية للحياة الزوجية.
أولًا: الأسباب الحقيقية خلف الظاهرة :
1. المثالية المفرطة في الاختيار
تحوّل الزواج من مشروع تكامل إلى مشروع “تفصيل حسب الطلب”، حيث أصبح الطرفان يطلبان شريكًا بلا عيوب، فينهار الارتباط عند أول اختلاف بسيط.
2. تدخل الأهل المبالغ فيه :
تتحول الخطبة في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع عائلي، لا علاقة لها بالزوجين أنفسهما، مما يولّد ضغوطًا تؤدي إلى الانفصال.
3. ضعف النضج العاطفي والاجتماعي :
كثير من المقبلين على الزواج لم يختبروا مسؤولية حقيقية في حياتهم، فيصطدمون بواقع الالتزام فينسحبون سريعًا.
4. الصورة الوهمية للزواج عبر السوشيال ميديا :
تخلق وسائل التواصل توقعات غير واقعية عن الرومانسية، والرفاه، والمثالية، فيشعر الطرفان بخيبة أمل مبكرة.
5. الاستعجال في الخطبة دون معرفة عميقة :
يتم الارتباط بسرعة تحت ضغط العمر أو المجتمع، ثم تظهر الفجوات الفكرية والشخصية لاحقًا.
6. الخوف من الفشل بدل الخوف من الطلاق :
أصبح البعض يرى الطلاق المبكر أسهل من خوض تجربة قد تتطلب صبرًا طويلًا.
7. ضعف التأهيل قبل الزواج :
غياب الإعداد النفسي والشرعي والاجتماعي يجعل الطرفين غير جاهزين لإدارة الخلافات.
ثانيًا: السبل العملية للعلاج :
1. فرض برامج إلزامية للتأهيل قبل الزواج
تشمل: مهارات التواصل، إدارة الخلاف، الواقعية الزوجية، الفروق النفسية بين الجنسين.
2. إعادة توجيه دور الأهل من السيطرة إلى الدعم
التدخل يجب أن يكون للحماية لا للهيمنة.
3. نشر ثقافة الزواج الواقعي لا المثالي
الزواج مشروع بناء طويل، وليس لحظة إعجاب عابرة.
4. توعية الشباب بأن الاختلاف طبيعي وليس مؤشر فشل
5. تعزيز دور المرشدين الأسريين قبل إتمام الطلاق
جلسات إصلاح إلزامية خلال فترة الخطبة المتعثرة.
6. إعادة الاعتبار لفترة الخطبة كمرحلة تعارف حقيقي لا استعراض اجتماعي
7. حملات إعلامية مجتمعية تحذّر من خطورة الطلاق السريع
ختامًا..
إن ارتفاع الطلاق قبل الدخول ليس دليلاً على وعيٍ ناضج كما يظن البعض، بل هو علامة على هشاشة العلاقات، وضعف القدرة على الالتزام، وسيطرة النزعة الفردية على حساب روح الأسرة.
المجتمع الذي تتكسر فيه الزيجات قبل أن تبدأ، هو مجتمع بحاجة ماسة لإعادة بناء الوعي الزواجي، وتحصين الشباب نفسيًا وقيميًا قبل أن يتحول الزواج إلى تجربة مؤقتة لا أكثر.
اللهم ألّف بين القلوب، وازرع المودة والرحمة في بيوت المسلمين، واصرف عن شبابنا أسباب الفرقة والشتات.
* باحثة في سلك الدكتوراه
* أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية



