الكاتب : د بسام سعيد
في أعقاب الحروب المدمّرة التي عصفت بقطاع غزة، لم يعد السؤال المطروح هو فقط كيف نُعيد الإعمار، بل كيف نُعيد بناء الإنسان والنظام والإدارة في آنٍ واحد. فحجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية، والمؤسسات، والاقتصاد، والنسيج الاجتماعي، يفرض التفكير في نمط حكم مختلف، يتجاوز منطق الشعارات والصراعات السياسية، ويتجه نحو إدارة عقلانية قادرة على التعامل مع واقع شديد التعقيد. وفي هذا السياق، يبرز خيار حكم التكنوقراط ليس ترفا بل بوصفه أحد أكثر الخيارات واقعية في مرحلة ما بعد الحرب.
التكنوقراط، بوصفهم خبراء ومتخصصين في مجالاتهم، يمكن أن يشكلوا نواة إدارة انتقالية تُعنى بإعادة تشغيل القطاعات الحيوية في غزة، مثل الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والإسكان، والاقتصاد. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل إدارة ارتجالية أو قرارات خاضعة للتجاذبات السياسية، بل تحتاج إلى تخطيط علمي دقيق، قائم على تقييم شامل للأضرار، وتحديد الأولويات، وإدارة الموارد المحدودة بأقصى درجات الكفاءة.
ويختلف هذا النموذج عن الحكم السياسي التقليدي الذي غالبًا ما يُثقل كاهل الإدارة العامة بالصراعات الداخلية والانقسامات، وهو ما عانى منه القطاع على مدار سنوات. ففي مرحلة ما بعد الحرب، تصبح الحاجة ملحّة إلى فصل الإدارة اليومية لشؤون الناس عن الخلافات الأيديولوجية، والتركيز على استعادة الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن. فإعادة بناء المستشفيات لا تحتاج إلى خطاب سياسي، بل إلى إدارة صحية محترفة، وإعادة إعمار المدارس تتطلب خبراء تربويين، لا شعارات.
غير أن أهمية حكم التكنوقراط في غزة لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تمتد إلى النهوض بالإنسان الغزي الذي أنهكته الحرب والحصار. فالدمار النفسي والاجتماعي لا يقل خطورة عن الدمار العمراني، ما يستدعي سياسات مدروسة في مجالات الدعم النفسي، وإعادة دمج الشباب في سوق العمل، ومحاربة الفقر، وتمكين الفئات الأكثر تضررًا. وهنا يظهر دور الخبراء في علم الاجتماع، والاقتصاد، والتنمية البشرية، في صياغة برامج واقعية تعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة.
مع ذلك، فإن حكم التكنوقراط في غزة لا يمكن أن يكون بديلاً دائمًا عن السياسة، ولا ينبغي أن يتحول إلى إدارة معزولة عن المجتمع. فغياب الشرعية الشعبية أو الإطار الوطني المرجعي الجامع قد يُفقد هذا النموذج قدرته على الاستمرار. لذلك، فإن النجاح الحقيقي يكمن في أن يكون حكم التكنوقراط جزءًا من مرحلة انتقالية واضحة، تعمل تحت مظلة توافق وطني، وتخضع لرقابة مجتمعية، وتلتزم بالشفافية والمساءلة.
إن النهوض بقطاع غزة بعد الحرب يتطلب شجاعة في مراجعة التجارب السابقة، وجرأة في تبنّي نماذج حكم غير تقليدية. فغزة اليوم لا تحتاج إلى من يدير أزمتها، بل إلى من يضعها على طريق التعافي الحقيقي. وحكم التكنوقراط، إذا ما أُحسن تصميمه وربطه بالإرادة الشعبية، قد يشكّل جسر العبور من الركام إلى إعادة بناء الإنسان والمكان، ومن منطق الصمود فقط إلى أفق الحياة الكريمة التى ينتظرها أهل غزة بشغف .
*أكاديمي وباحث



