الكاتب: امجد شحادة
في كل مرة تحاول فيها الحكومة الفلسطينية إحداث اختراق حقيقي في بنية الإدارة العامة، خصوصاً في الملفات الحسّاسة التي اعتادت الجمود أو الاستغلال، يظهر فجأة ضجيجٌ مرتفع، لا يحمل مشروعاً بديلاً ولا نقداً مهنياً، بل يكتفي بالصراخ والتشكيك وبث الشكوك.
المفارقة أن هذا الضجيج لا يرتفع عندما يكون العمل الاداري غير مهني او الفساد مستتراً، ولا حين تُدار المواقع العامة بعقلية المحاصصة أو “تدوير الأسماء”، بل يعلو حين تُغلق أبواب كانت مفتوحة سابقاً أمام النفوذ غير المشروع.
ما يجري اليوم ليس نقاشاً حول أداء أو سياسات، بل محاولة مكشوفة لإعادة تعريف “القبول العام” وفق مقاييس مقلوبة:
أن يكون المسؤول مقبولاً فقط إذا كان قابلاً للضغط، أو مسايراً، أو قابلاً للتمرير.
أما المسؤول الذي لا يدين لأحد، ولا يفتح خطوطاً جانبية، فيُصبح فجأة “إشكالياً” أو “غير توافقي”.
الأخطر في هذا المشهد أن بعض الأصوات التي تتصدر الهجوم لا تقدم سجلاً مهنياً، ولا تاريخاً نظيفاً في الدفاع عن المال العام، لكنها تتقن خطاب المظلومية، وتُلبسه ثوب “الحرص على الوطن”، في محاولة لخلط الأوراق وإرباك الرأي العام.
فالحكومة من حقها أن تُنتقد لكن الإشكالية لا تكمن في النقد بحدّ ذاته، بل في الخلط المتعمّد بين النقد المهني البنّاء، وحملات التشويش التي لا تهدف إلى تصويب الأداء بقدر ما تسعى إلى إرباك المشهد وبث الشكوك، وإعادة إنتاج منطق المصالح القديمة بأدوات جديدة ، والحكومة من واجبها أن تُصحّح إن أخطأت، لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يميّز بوضوح بين من يسعى فعلاً لتحسين الأداء العام وخدمة الصالح الوطني، وبين من يحاول تعطيل أي خطوة مهنية لا تنسجم مع حساباته الخاصة.



