الكاتبة : سهير سلامة
في زمن لم تعد فيه المسافات عائقا، جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كجسر خفي، يمتد بين القلوب قبل الأماكن، يحمل الكلمات والصور والمشاعر في لحظات، فصار العالم قرية صغيرة، يسمع فيها الإنسان صدى صوته أينما كان.
لقد منحت هذه الوسائل الناس قدرة مذهلة على التواصل، فأعادت وصل ما انقطع، وجمعت الغائب بالحاضر، وجعلت الكلمة أسرع من الخطى.
غير أن هذا الضوء الساطع يخفي في ظلاله جانبا اخر، إذ تحول التواصل أحيانا إلى عزلة، وكثرت الكلمات وقل الإصغاء، وتزاحمت الصور حتى غابت المعاني،
كم من لقاء أفسده هاتف، وكم من دفء إنساني، خفت بريقه خلف الشاشات، فأصبح البعض يعيش حياة افتراضية، يبتسم فيها للعدسة، بينما يغيب عن واقعه وأهله.
ومع ذلك، تبقى وسائل التواصل، سلاحا ذا حدين، لا يقاس أثره بوجوده، بل بكيفية استخدامه، وكلنا نعلم، ان وسائل التواصل الاجتماعي، نعمة إذا أُحسن توظيفها، ونقمة إذا أسيء استعمالها، فهي مرآة تعكس وعي الإنسان وأخلاقه، فإما أن نجعلها وسيلة للبناء والتقارب، أو نتركها سببا للتباعد والضياع، في عصر تسارعت فيه الخطى وتلاشت فيه الحدود.
كنافذة مفتوحة على العالم، تسافر عبرها الكلمات بلا أجنحة، وتلتقي الأرواح دون موعد، صارت الحروف رسائل عابرة للقارات، والصور شهودا على لحظات نعيشها أو نتظاهر بها.
هي عالم مزدحم بالضجيج، يختلط فيه الصدق بالزيف، والقرب بالبعد. قربت البعيد، لكنها في أحيان كثيرة أبعدت القريب، فكم من قلب كان حاضرا بالجسد غائبا بالروح، وكم من مجلس سكنه الصمت لأن العيون علقت أنفاسها بالشاشات.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار سحرها، فقد منحت الإنسان صوتا مسموعا، وفتحت أبواب المعرفة، وجعلت للفكرة جناحين تطير بهما إلى كل مكان. لكنها، كالبحر، سخية لمن أحسن السباحة فيها، وقاسية على من ألقى بنفسه دون وعي، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي، مرآة تعكس وعينا وثقافتنا، فإن أحسنا استخدامها كانت نورا يهدي الطريق، وإن أسأنا إليها تحولت إلى قيد يقيد أرواحنا خلف وهج الشاشات.
بين ضوء الشاشات وظلال الأرواح ...
في زمن تتكسر فيه المسافات كما يتكسر الزجاج، وتذوب فيه الحدود كما يذوب الملح في الماء، بزغت وسائل التواصل الاجتماعي شمسا رقمية، أضاءت العالم بضوء بارد، وجمعت المتباعدين في لحظة لا زمن لها، غدت الكلمات طيورا إلكترونية تحلق من قلب إلى قلب، حاملة نبض المشاعر وهمس الأفكار.
هي نهر متدفق، من اغترف منه بوعي ارتوى معرفة وقربا، ومن غرق فيه دون بصيرة ابتلعه التيار وسلبه دفء الواقع.
قربت الغريب، لكنها في كثير من الأحيان سرقت من القريب حضوره، فجلس الناس متجاورين، تتصافح أيديهم في الواقع، بينما تتباعد أرواحهم خلف الزجاج المضيء، فتاهت المعاني بين صور مبتسرة وكلمات مستعجلة، في زحام هذا العالم الافتراضي المتسارع، فصار الصمت أكثر بلاغة من حديث يكتب بلا إحساس، وصارت الابتسامة الرقمية، قناعا يخفي تعب الوجوه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنها منحت الإنسان منبرا، وجعلت للفكرة جناحين، وللصوت صدى يتردد في أرجاء الأرض.
* مراسلة "واثق نيوز" في محافظات الوطن



