الكاتب : د. بسام سعيد
قد يكون العنوان غريبًا، إلا أنّه الواقع المعاش في غزة دون رتوش، حيث تحوّل التحطيب في غزة من ممارسة تقليدية إلى معركة يومية من أجل البقاء. فمنذ نحو عام لم نحصل على حصّتنا من غاز الطهي، حالي كحال معظم الناس في غزة. ومع انعدام الغاز، لم يبقَ أمام الناس سوى البحث عن الحطب، لكنّ الحطب نفسه أصبح شحيحًا، وإن وُجد فهو باهظ الثمن بسبب الإقبال الشديد عليه.
ورغم أنّ غزة كانت تشتهر بأشجار الحمضيات والزيتون، ورغم تجريف ما يقارب 90% من هذه الأشجار، فإنّ الوصول إلى ما تبقّى من الحطب في أماكن التجريف يشكّل خطرًا كبيرًا، وقد يغامر الإنسان بحياته، كما فعل كثيرون سقطوا ضحايا وهم يحاولون تأمين الحطب.
ومع تفاقم الأزمة، يمكن القول إننا نعيش اليوم في العصر الحطبي، رغم شحّ الأشجار المنتجة للحطب. فقد أصبح العثور على شجرة أشبه بالعملة الصعبة، ولم يعد الحطب يُستخرج من البساتين ، بل من بقايا البيوت المدمّرة: شبابيك، وأبواب، وبعض الأثاث الخشبي. بل إنّ صديقًا لي اضطرّ إلى تكسير أثاث منزله الخشبي ليسدّ النقص في مخزونه من الحطب.
أمام هذا الواقع القاسي، يحاول الناس التغلّب على الأزمة بوسائل مؤلمة؛ فيستخدم بعضهم نشارة الأخشاب إن توفّرت، أو يلجأ آخرون إلى حرق مخلفات البلاستيك رغم خطورتها وأضرارها الصحية. بل إنّ البعض اضطرّ إلى حرق الكتب الدراسية والأوراق. حتى إنّ أحد الاكاديميين والحاصلً على شهادة الدكتوراه، استغنى عن أوراق رسالته وأشعلها ليصنع كأسًا من الشاي أو ليُعدّ بعض الطعام.
ولم تعد الهدايا في غزة كما كانت؛ فربما يقدّم لك صديقك في عيد ميلادك حزمةً من الحطب، أو يهديك إياها بمناسبة الخطوبة أو الزواج، بعد أن تحوّلت هذه المادة إلى كنز نادر لا يقلّ قيمة عن الذهب في ليالي الشتاء الباردة .
كثير من الأسر تدفع أبناءها الصغار للبحث عن الحطب أو البلاستيك في الشوارع أو بجوار الحاويات. شتاء غزة بارد وقارس، ولياليه طويلة، وتطول معها المعاناة . أمّا بائعو الغاز ومن يقفون خلفهم فلا يُحسنون إدارة الأزمة، إمّا بذريعة شحّ الغاز، أو بسبب السوق السوداء التي تزدهر في ليالي غزة السوداء .
* أكاديمي وباحث



