الكاتب : د. محمد جبريني
الحياة في جوهرها مقاومة. فكما يؤكد علم الأحياء، يموت الإنسان عندما ينهار جهازه المناعي ويتوقف جسده عن مقاومة العوامل التي تهدده. وبالمعنى ذاته، تؤكد التجربة الإنسانية عبر التاريخ أن الشعوب لا تبقى ولا تنتصر إلا حين تمتلك قدرة واعية على المقاومة: مقاومة عقلانية، محسوبة، تعرف متى تتقدم ومتى تصبر، ومتى تُغير أدواتها دون أن تغيّر بوصلتها.
المقاومة ليست تهورًا، ولا اندفاعًا عاطفيًا منفلتًا من ضوابط العقل . وليست فعلًا لحظيًا يستهلك طاقة الشعب ويُراكم الخسائر دون أفق . كل سلوك عشوائي، مهما زُيّن بالشعارات، لا يمكن اعتباره مقاومة حقيقية، بل قد يتحول إلى عبء على القضية ذاتها.
في الحالة الفلسطينية، جرى تكريس تقسيم زائف بين ما يُسمى «محور مقاومة» و«محور مفاوضات». هذا التقسيم لا يعكس اختلافًا في الأهداف بقدر ما يكشف أزمة في الفهم. فالمفاوضات، حين تكون جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة، هي إحدى أدوات المقاومة، لا نقيضًا لها. هي شكل من أشكال النضال الواعي الذي يدرك موازين القوى، ويتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمناه، ويعمل على مراكمة الإنجازات خطوة بعد خطوة وصولًا إلى الهدف الممكن والواقعي.
الصبر الاستراتيجي ليس ضعفًا، والحفاظ على الكينونة الوطنية ليس استسلامًا. على العكس، فإن البقاء نفسه، في ظروف الاستعمار والاختلال الفادح في موازين القوة، هو أعلى درجات المقاومة. فالشعوب لا تُهزم فقط حين تُقهر عسكريًا، بل حين تفقد قدرتها على الاستمرار، أو تُستدرج إلى معارك تستنزف وجودها وتُفرغ نضالها من معناه.
المشكلة الحقيقية تكمن في التلاعب بالمفاهيم، وفي تحويل الشعارات إلى بدائل عن التفكير، وفي اختزال السياسة في تعريفات جامدة ومسلمات أحادية الاتجاه. هذا النوع من الخطاب لا يخدم المقاومة، بل يُضعفها، لأنه يُغلق باب النقد، ويُعطّل العقل الجمعي، ويمنع المراجعة الضرورية لأي تجربة تحرر وطني.
المعيار الوحيد لأي فعل سياسي أو نضالي يجب أن يكون بسيطًا وواضحًا: هل يخدم الهدف الاستراتيجي المتمثل في الحرية والاستقلال وتجسيد الدولة الفلسطينية وفق الشرعية الدولية والقانون الدولي؟ ما يخدم هذا الهدف ينبغي دعمه وتطويره بكل أدواته الإنسانية والسياسية، وما يضره يجب التوقف عنه مهما كانت كلفته الرمزية.
النصر لا يبدأ في ساحة المعركة وحدها، بل في ساحة الوعي. ننتصر فعلًا حين ننجح في كسب معركة العقل والوجدان والضمير، بما في ذلك عقل وضمير من يحتلنا. فعندما تُفرض عدالة القضية بقوة الأخلاق، وصدق الأداء، وحكمة الفعل، يصبح الاحتلال مكلفًا أخلاقيًا وسياسيًا، وتغدو إمكانية تحقيق النصر أكثر واقعية، لا لمصلحة الفلسطينيين وحدهم، بل لمصلحة الجميع، وخدمة للإنسانية جمعاء.



