الكاتب : د. بسام سعيد
ترددت كثيرا قبل كتابة ونشر هذا المنشور لان ماعندنا يكفينا ، الا اننى أحببت ان اكتب بمبدأ المعاتب وردا على صناع الفتن . فمن خلال متابعتي لبعض صفحات فيسبوك وبعض الفيديوهات، لاحظتُ كتابات وولولات تغصّ بها الصفحات، تتحدث بأن منتخبَي دولتين تعمّدا التعادل السلبي كي لا يمرّ الفريق الى الدور الثانى ، غير أنّ ما استوقفني لم يكن التعادل ذاته ، ولا المؤامرة الكروية ، بل تلك السذاجة والمنطق المخيف التي يتعامل بها البعض مع القضايا الإنسانية، وكأنها عملات تُقايض، أو خدمات تُقَدَّم بروح “أعطني وأعطيك”.
الأدهى أنّ أصواتاً بدأت تعلو وتقول : “تعاطفنا مع فلسطين، فجاء الجزاء هكذا!” ونكاية بهم ساذهب لاحتسى كوكاكولا، أي انحدار هذا ؟
وكأن التضامن مع شعب يُباد يومياً ليس واجباً أخلاقياً، بل صفقة تجارية نترقّب عائدها! وكأن منتخبات كرة القدم _ هذه اللعبة التي تُسكَب عليها المليارات_ باتت الناطق الرسمي باسم الشعوب وأخلاقها!
هل بلغ بنا الانحدار الفكري أن نربط موقفاً إنسانياً نبيلاً بنتيجة مباراة عابرة لاتقدم ولا تؤخر وخلقت من أجل الامتاع والترفيه ؟
هل غدت الإنسانية خياراً مؤقّتاً نُشغّله إن نفع، ونطويه إن خالف أمنياتنا الرياضية؟
هذا منطق شديد الخطورة ، من يربط بين آلام شعب جريح ونتيجة لقاء كروي، لا يدرك معنى الإنسانية، ولا يفهم جوهر الرياضة. إنه خلط عجيب بين عالمين متباعدين ، خلط يكشف فقر التفكير واضطراب البوصلة الأخلاقية.
القضية الفلسطينية ليست “ملصقاً” نضعه على صورة لنبدو أنقياء ، ولا ورقة مساومة نلوّح بها عند الحاجة.
التعاطف موقف ثابت، جذره في الضمير لا في ترندات الشبكات، ولا تهزّه مباراة اتفقوا فيها ان جاز القول على التعادل .
أما من يراجع تضامنه لأجل كرة تتقاذفها الأقدام، فقد كان متضامناً بالصدفة، لا بالوعي؛ متحركاً بعاطفة مؤقتة تغذيها الصور، لا بمبدأ راسخ ولا قناعة ناضجة ؛ مجرّد مشاعر طفولية عابرة.
وسنبقى كفلسطينيّين نردّد ما قاله درويشنا محمود: كيف لنا أن نُشفى من حبّ تونس؟



