الكاتب : يوسف عبد الصمد
المستشار القانوني في وزارة العدل
في 25 أكتوبر/تشرين الاول 2025، وقّعت دولة فلسطين الاتفاقية العالمية لمكافحة الجريمة السيبرانية في هانوي، فيما تواصل الإجراءات الرسمية لاستكمال الانضمام إليها وضمان نفاذها القانوني على المستوى الوطني.
ويأتي هذا الانضمام في ظل تصاعد الجرائم الإلكترونية عالميا، بما يشمل الهجمات على البنية التحتية الرقمية، الاحتيال المالي، استغلال الأطفال، والابتزاز عبر نشر المحتوى الحميمي، ما يجعل وجود إطار قانوني دولي متكامل ضرورة استراتيجية لتعزيز الأمن السيبراني وحماية المجتمع الرقمي.
تركز الاتفاقية على وضع إطار قانوني دولي موحد لمواجهة التهديدات الرقمية العابرة للحدود، وتعزيز التعاون الدولي لمكافحة جرائم معينة مرتكبة بواسطة نظم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات/ ولتبادل الأدلة في شكل الكتروني.
ويمكن تصنيف الجرائم السيبرانية وفق الاتفاقية على النحول التالي :
- جرائم الوصول والتدخل بالأنظمة والبيانات
تشمل هذه الفئة الدخول غير المصرح به إلى أنظمة الحوسبة والشبكات، واعتراض البيانات أثناء نقلها، والتلاعب بالمعلومات أو تعطيل الأنظمة، ويهدف هذا التجريم إلى حماية سرية وسلامة وتوافر البيانات الرقمية، وبناء الثقة في التعاملات الإلكترونية.
- جرائم استخدام الأجهزة والانظمة لأغراض غير قانونية :
تتعلق بإنتاج أو توزيع أدوات رقمية تُستخدم في ارتكاب الجرائم، أو استغلال بيانات الدخول وكلمات المرور لأغراض غير قانونية، ويهدف التجريم هنا لمنع استغلال التكنولوجيا كوسيلة لتنفيذ الجرائم الرقمية وحماية البنى التحتية الوطنية.
- جرائم المحتوى الرقمي :
تتركز على حماية الأفراد، لا سيما الأطفال، وتشمل الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، ابتزاز ونشر المحتوى الحميمي بشكل غير قانوني، ونشر محتوى ضار أو تحريضي مثل التحريض على العنف أو الكراهية أو الإرهاب.
- الجرائم الاقتصادية والمالية :
تستهدف حماية الاقتصاد الوطني والنظم المالية من الجرائم الرقمية، مثل الاحتيال الرقمي، التزوير الإلكتروني، السرقة، وغسل الأموال الناتجة عن الأنشطة السيبرانية.
أدوات التحقيق والملاحقة :
توفر الاتفاقية أدوات عملية لتعزيز فعالية التحقيق والملاحقة في القضايا الرقمية العابرة للحدود، بما يشمل جمع الأدلة الرقمية وحفظها وفق ضوابط قانونية صارمة، وإصدار أوامر كشف أو تجميد البيانات عند الضرورة، مع الحفاظ على خصوصية الأفراد وسريتهم. كما تتيح الاتفاقية تبادل الأدلة بين الدول، تسليم المجرمين، وإنشاء وحدات اتصال مباشرة بين السلطات القضائية والشرطية لضمان سرعة وفاعلية الاستجابة.
حماية الحقوق والحريات الأساسية :
تشدد الاتفاقية على ضرورة احترام الحقوق الأساسية والحريات المدنية أثناء تطبيق القوانين الرقمية، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وتشمل الضمانات مراقبة إجراءات جمع الأدلة الرقمية، تقييد استخدام أدوات المراقبة إلا عند الضرورة القصوى، وحماية حرية الرأي والتعبير، مع منع أي تمييز على أساس الانتماء السياسي أو العقائدي.
خلاصة :
يمثل انضمام دولة فلسطين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية خطوة استراتيجية لترسيخ أمنها الرقمي وتعزيز قدرة مؤسساتها على التصدي للجرائم الإلكترونية.
ويترتب على هذا الانضمام التزام وطني بتطوير منظومة قانونية وسياساتية متكاملة، تشمل مواءمة التشريعات الوطنية مع أحكام الاتفاقية، وتعزيز آليات التعاون القضائي والشرطي الدولي في مجالات تبادل المعلومات، وتسليم المجرمين، والمساعدة القانونية المتبادلة، إضافة إلى تطوير سياسات وطنية للوقاية من الجريمة الالكترونية، وبناء القدرات التقنية، وتحديث بنى الأمن السيبراني.
ويأتي ذلك مع تأكيد الالتزام الكامل بحماية الحقوق والحريات الأساسية وضمان عدم تعارض التدابير المتخذة مع معايير حقوق الإنسان.



