الكاتب: د. عمر السلخي
تُعد المياه موردًا طبيعيًا عالميًا، وحقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، كما نصت على ذلك العديد من المواثيق الدولية، أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي أقر بأن “لكل شخص الحق في الحصول على المياه بشكل كافٍ وآمن وميسور التكلفة ومقبول”. إلا أن هذا الحق في الحالة الفلسطينية تحوّل إلى ساحة صراع مركزي بين احتلال يمارس الهيمنة على الطبيعة، وشعب يناضل من أجل استعادة سيادته على مقومات حياته الأساسية.
الاحتلال المائي في فلسطين – بنية استعمارية ممنهجة
منذ العام 1967، فرضت إسرائيل سيطرة شبه كاملة على كافة مصادر المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة، خصوصًا على الأحواض الجوفية الثلاثة (الشرقي، الشمالي الشرقي، والغربي)، وحوض نهر الأردن، بالإضافة إلى التحكم في مياه الينابيع والوديان الموسمية. وتُشير التقارير إلى أن إسرائيل تستولي فعليًا على 86% من إجمالي الموارد المائية الفلسطينية، وتمنح الفلسطينيين إمكانية استخدام نسبة ضئيلة من المتبقي، خاضعة لرقابة وشروط مسبقة (لبد، عرفة، وجرار، 2022).
فجوة الاستهلاك – أرقام تفضح التمييز
تُظهر مقارنة بسيطة بين معدل استهلاك الفرد الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي حجم التفاوت الصارخ في توزيع الموارد، يستهلك الفرد الفلسطيني نحو 80 لترًا يوميًا، بينما يصل استهلاك الفرد الإسرائيلي إلى أكثر من 300 لتر، أي ما يعادل أربعة أضعاف، دون احتساب ما تستهلكه المستوطنات الإسرائيلية، التي تصل فيها معدلات الاستخدام إلى 400 لتر للفرد يوميًا في بعض المناطق (العتيلي، 2003؛ لبّد وآخرون، 2022)،
بل إن بعض التجمعات الفلسطينية – وخاصة في المناطق الريفية أو المصنفة (ج) – لا يتوفر لها وصول منتظم أو دائم إلى شبكات المياه، حيث تشير بيانات سلطة المياه إلى أن أكثر من 123 تجمعًا سكانيًا لا يرتبط بشبكات مائية، مما يضطر السكان إلى شراء المياه من صهاريج خاصة بتكلفة مضاعفة، ما يرهقهم اقتصاديًا ويزيد من نسب الفقر المائي.
المياه كأداة استعمار – الفصل المائي نموذجًا
تُمارس إسرائيل نظامًا غير معلن من "الفصل المائي" الذي يُعيد إنتاج منطق "الأبارتهايد" على أساس الجغرافيا والعرق، ففي الوقت الذي تُموَّل فيه البنية التحتية للمياه في المستوطنات من ميزانية الدولة، وتُمدّ بالخدمات دون انقطاع، فإن البلديات الفلسطينية تواجه قيودًا إسرائيلية مشددة على تطوير أي مشروع مائي، لا سيما في المناطق المصنفة (ج)، التي تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة.
وبحسب تقرير الأمم المتحدة 2018)، (UNCTAD فإن أكثر من 94% من سكان قطاع غزة لا يحصلون على مياه صالحة للشرب، بسبب التدهور البيئي واستنزاف الحوض الساحلي، في حين تفرض إسرائيل قيودًا على إدخال المواد والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
العدالة المائية كحق وطني وسياسي
العدالة المائية، وفق المفهوم الدولي، لا تعني فقط التوزيع العادل للموارد المائية، بل تشمل أيضًا الحق في الإدارة والسيادة والاستفادة الكاملة من الموارد الطبيعية، وتؤكد "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاستخدام غير الملاحى للمجاري المائية الدولية" لعام 1997 على مبدأ "التحصيص العادل والمعقول"، كأحد أسس تقاسم المياه المشتركة بين الدول (United Nations, 1997).
وبالتالي، فإن العدالة المائية في الحالة الفلسطينية تتضمن:
• استعادة الحق السيادي على الأحواض المائية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.
• تقاسم عادل لمياه نهر الأردن، باعتباره حوضًا دوليًا مشتركًا بين خمس دول.
• التعويض عن الأضرار التاريخية الناتجة عن السيطرة الإسرائيلية، استنادًا إلى مبدأ "لا حق ينشأ من فعل غير قانوني"، المعتمد في القانون الدولي.
فشل السياسات التفاوضية وتحديات الحوكمة الفلسطينية
رغم إدراج ملف المياه ضمن مفاوضات الحل النهائي، إلا أن اتفاقية أوسلو الثانية (1995) نصت فقط على "الحق في الاستخدام" دون الاعتراف بالسيادة، وقد أدى هذا القصور إلى منح إسرائيل حق الفيتو ضمن "اللجنة المشتركة للمياه"، ما جعل أي مشروع تطويري فلسطيني في قطاع المياه مرهونًا بالموافقة الإسرائيلية.
في المقابل، يُواجه قطاع المياه الفلسطيني مشاكل بنيوية داخلية، من أبرزها:
• غياب العدالة في التوزيع داخل الضفة الغربية.
• ارتفاع نسبة الفاقد المائي إلى 50% في بعض المناطق.
• تفاوت تسعيرة المياه بين المحافظات دون اعتبار للقدرة الشرائية.
• غياب تطبيق فعّال للاستراتيجية الوطنية للمياه.
نحو سياسات فلسطينية بديلة وعادلة
تطرح ورقة "نحو سياسات فاعلة لضمان استرجاع الحقوق المائية" (لبد وآخرون، 2022) عددًا من التوصيات التي تشكل مداخل أساسية لاستعادة العدالة المائية، من أبرزها:
1. تبني خطاب حقوقي دولي يستند إلى القانون الدولي والمواثيق الحقوقية.
2. تدويل ملف المياه باعتباره أداة ضغط في المحافل الأممية.
3. تعزيز الحوكمة المحلية عبر بناء مؤسسات قوية لإدارة المياه بعدالة وشفافية.
4. تطوير البنية التحتية لتقليل الفاقد المائي، ومعالجة المياه العادمة، وتحلية مياه البحر.
5. ربط العدالة المائية بالعدالة المناخية، خاصة مع ازدياد تأثير التغير المناخي على المياه الجوفية.
العدالة المائية هي وجه آخر للتحرر
إن النضال الفلسطيني من أجل العدالة المائية ليس مطلبًا بيئيًا أو إنسانيًا فحسب، بل هو امتداد للنضال التحرري من الاستعمار، ففي الماء تختزل كل معاني السيادة، والعدالة، والكرامة. وإن لم تُعالج هذه المظلومية، فإن كل مشاريع التنمية المستدامة ستبقى مشاريع مؤجلة، ومشروطة بإرادة المحتل.
إنّ استرجاع الحق في الماء هو استرجاع للحق في الحياة، وهو الطريق نحو فلسطين العادلة، الحرة، والسيدة على أرضها ومائها.



