الكاتبة : آمال العرفي الرطروط
من يظن أن الحرب في غزة انتهت، فقد أخطأ التقدير. فالمعارك التي تُخمد على الأرض تترك خلفها معارك أخرى لا تقل صعوبة وقسوة، لكنها تُخاض هذه المرة بلا سلاح ولا صواريخ. إنها حرب ما بعد الصدمة، الحرب الأصعب والأطول، حرب العودة إلى الحياة في قطاع أنهكه الخراب وامتحنته المأساة. في شوارع غزة، لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد ليُدرك حجم الفاجعة. مبان سُويت بالأرض، أحياء اندثرت معالمها، ومخيمات تحولت إلى أطلال. لكن خلف هذا المشهد الكئيب، ينبض إصرار لا يُقهر. فبين الركام المبعثر، تظهر أياد صغيرة تلتقط ما تبقى من ألعاب ودُمى، وأمهات يبحثن عما يمكن أن يُصلح بيت صغير وقلب منفطر وروح مكسورة. ما ينتظر الفلسطينيين اليوم ليس فقط إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، بل إعادة بناء روح الإنسان قبل البنيان. البيوت تُبنى من جديد، لكن الأرواح التي أُنهكت تحتاج وقتاً لتتعافى. إنها معركة الأمل ضد اليأس، ومعركة الحياة ضد رماد الموت. المؤسسات المحلية و العالمية تتحدث عن مشاريع لإعادة الإعمار، لكن الواقع يؤكد أن الإعمار الحقيقي يبدأ من الداخل، من ترميم الثقة والطمأنينة، من إعادة إحياء التعليم، والرعاية الصحية، والدعم النفسي. هذه الملفات تُشكل جبهة مواجهة جديدة لا تقل خطورة عن جبهات الحرب السابقة، إذ عاش الآلاف من أطفالنا مشاهد الحرب لحظة بلحظة، أصوات الانفجارات، صرخات الفقد، ورعب الليالي الطويلة. هؤلاء الصغار سيحملون الحرب في ذاكرتهم لسنوات، وهنا تبدأ الحرب الصامتة التي لا تُغطيها الكاميرات، حرب علاج الصدمات والخوف، وحماية الجيل القادم من أن يُولد في ظلال الإبادة دون أمل في غدٍ أفضل. على سلم الأولويات، يمثل التعليم جبهة المواجهة الكبرى، يجب تجاوز رؤيتنا لدور المؤسسات التعليمية كمجرد أداة تلقين للعلوم، لتكون أيضاً أداة للشفاء وخلق مساحات آمنة لأطفال غزة والتي يمكن أن تبث فيهم الأمل والنظام بعد فوضى الحرب. لذا، فإن إعادة الإعمار تتطلب أكثر من مجرد بناء أو ترميم جدران المدارس، بل يجب أن تشمل إعادة تأهيل البيئة التعليمية لتصبح أيضاً مركزاً للدعم النفسي والاجتماعي. يجب أن يُركز النظام التعليمي على دمج مناهج مختصة في الدعم النفسي ومهارات التكيف ضمن الخطة التعليمية وتحويل فصول الدراسة إلى حاضنات للأمل من أجل بناء مستقبل أفضل، بدلاً من الغرق في صدمة الحرب. اليوم ، يتحدث العالم عن مشاريع إعادة الإعمار في غزة، لكن بعد عامان من هذه المقتلة، ماذا عن بناء الإنسان الذي عاش أهوالها؟ .. الآن تُلقى على عاتق السلطة الفلسطينية والمؤسسات المحلية والمجتمع المدني مسؤولية مضاعفة لا تحتمل التأجيل. فإعادة الحياة إلى غزة لا يمكن أن تتحقق فقط عبر مشاريع الإسمنت والحديد، بل عبر خطة وطنية شاملة لإعادة بناء الإنسان. هذه الخطة يجب الا تكون عبثية وأن تُبنى على أسس علمية وإنسانية، أن تتكامل فيها جهود الوزارات، والمنظمات الأهلية، والقطاع الخاص، عبر لجان مشتركة ومختصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والتربية والتنمية، إلى جانب الجهات الطبية والإغاثية. لأننا هنا لا نتحدث عن مجرد علاج نفسي فقط بل عن سردية تاريخية وإنسانية لآثار حرب الإبادة والتي يجب توثيقها واستخدام إحصائياتها لاحقاً كجزء من أرشيف الذاكرة الفلسطينية وأيضاً لإستخدامها في ملاحقات قضائية مستقبلية. إن توثيق الذاكرة.. خطوة نحو التعافي، توثيق الآثار النفسية للحرب ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. توثيق تجارب الناجين، خصوصاً الأطفال والنساء، يفتح الباب أمام فهم شامل لإحتياجاتهم النفسية، ويُسهم في وضع سياسات علاجية وتعليمية طويلة المدى لعلاج آثار ما بعد الحرب. الرعاية النفسية يجب أن تتحول إلى جزء أساس من الأمن المجتمعي، فالتعافي النفسي للأطفال والشباب هو الضمانة الحقيقية لمستقبل مستقر ومتوازن. ومن هنا، فإن إنشاء مراكز دعم نفسي، وتدريب كوادر محلية متخصصة، هو واجب وطني لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية والمدارس والمستشفيات. الحرب لم تنتهِ، بل تغير شكلها. إنها حرب الإرادة والحياة، التي لن تُحسم إلا بإنتصار الإنسان على الخوف، وعلى الخراب، وعلى اليأس. مرحلة تتطلب شجاعة إنسانية، لأن الحرب هذه المرة لا تُخاض ضد عدو خارجي فقط، بل ضد جراح داخلية تركت ندوباً في كل بيت. غزة تبدأ الآن معركتها الأصعب، معركة العودة من تحت الركام إلى النور . والتاريخ يشهد دوماً أن الفلسطيني كطائر الفينيق، يموت في النار، ومن رماده يولد من جديد.



