الكاتب: محمد عمر صبرة
مقدمة:
تتجه الأنظار خلال العامين 2026–2027 نحو الضفة الغربية بوصفها مساحة اختبار حقيقية لقدرة النظام الدولي على ترجمة مبادئه القانونية إلى واقع سياسي ملموس، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد التحديات الإنسانية والحقوقية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
المشهد الفلسطيني لاختبار النظام الدولي ...
المشهد في الضفة لا يقرأ من زاوية سياسية فحسب، بل من منظور قانوني وإنساني متشابك، يضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية الإجابة عن سؤال جوهري:
هل مازالت قواعد القانون الدولي الإنساني تمتلك الفاعلية حين تختبر على أرض تحت الاحتلال؟
إنّ الضفة الغربية لم تعد مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل مرآة تعكس أزمة العدالة الدولية ذاتها، حيث يختبر صدق الالتزامات التي طالما تحدث عنها المجتمع الدولي في المحافل دون ترجمة حقيقية على أرض الواقع.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تبقى الضفة الغربية أرضا محتلة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ما يعني أن إسرائيل بصفتها قوة احتلال تتحمل التزامات محددة تجاه السكان المدنيين، غير أنّ الوقائع اليومية تظهر تآكلا ممنهجا في احترام هذه الالتزامات، من خلال التوسع الاستيطاني، وهدم المنازل، وفرض القيود على التنقل، وتقييد الموارد المائية والزراعية، وهي ممارسات ترقى في كثير من حالاتها إلى مستوى نقل السكان القسري الذي يعد جريمة حرب.
هذا الواقع لا يضع الاحتلال وحده أمام المساءلة، بل يختبر كذلك جدية المجتمع الدولي في تطبيق مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، وهو أحد أركان النظام القانوني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
ازدواجية المعايير في منظومة حقوق الإنسان ...
أما من زاوية القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنّ الوضع في الضفة يظهر تعارضاً واضحاً بين الالتزامات القانونية والواقع المعيشي للسكان الفلسطينيين، فالتمييز الممنهج بين الفلسطينيين والمستوطنين، وازدواجية الأنظمة القضائية والإدارية، تعد انتهاكاً صارخاً لمبدأ المساواة أمام القانون، كما تنتهك مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي هذا السياق، تتقاطع مسؤولية السلطة القائمة بالاحتلال مع التزامات الأطراف الثالثة، أي الدول الموقعة على الاتفاقيات الدولية، التي لا يمكنها الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية، بل يفترض أن تتخذ تدابير قانونية ودبلوماسية لضمان احترام الاتفاقيات التي التزمت بها، إن الصمت القانوني، مهما اتشح بلغة الدبلوماسية، يظل تواطؤاً صامتاً مع استمرار الانتهاك.
المقاومة السلمية: ممارسة قانونية للحق في تقرير المصير ...
وفي خضم هذا الواقع، تبرز المقاومة الشعبية السلمية كأحد أكثر المفاهيم القانونية والإنسانية حضورا في النقاش الفلسطيني، فالقانون الدولي، لا سيما في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومبادئ القانون العرفي، يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال بجميع الوسائل المشروعة، شريطة التزامها بالقواعد الإنسانية التي تحظر المساس بالمدنيين.
هذه المقاومة ليست مجرد فعل احتجاجي، بل ممارسة قانونية للحق في تقرير المصير، حين تمارس ضمن إطار سلمي ومنظم وعليه، فإنّ حماية هذا الشكل من المقاومة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية للمجتمع الدولي، لأنها تمثل دفاعا عن جوهر القانون ذاته، حين يحافظ الإنسان على إنسانيته في مواجهة واقع يحاول سلبها منه.
ومن زاوية أخرى، يكتسب الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين أهمية متجددة في ضوء التحولات السياسية الراهنة، فالدول التي بادرت إلى الاعتراف بفلسطين، لا سيما في أوروبا وأمريكا اللاتينية، لم تقدم على خطوة رمزية فحسب، بل دشنت تحولا في بنية الشرعية الدولية، إذ بات الاعتراف نترحم إلى التزامات قانونية في العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف.
الاعتراف هنا لا يعني فقط القبول بوجود سياسي، بل الإقرار بحق قانوني في السيادة، وفي الانضمام إلى المنظمات الدولية، وفي الدفاع عن المصالح الوطنية عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية المعترف بها وهكذا، يتحول الاعتراف من مجاملة سياسية إلى أداة تصحيح للمظلومية التاريخية التي عانت منها فلسطين في المنظومة الدولية.
تجارب دولية في مواجهة التحديات ...
تجربة جنوب أفريقيا في مواجهة نظام الفصل العنصري، أو اعتراف الدول الأوروبية المبكر بكوسوفو، تقدم أمثلة واقعية يمكن استحضارها لمقارنة الأثر القانوني والسياسي للاعترافات الدولية وكيف ساهمت بتغيير موازين الشرعية،
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يملك المجتمع الدولي الإرادة لترجمة اعترافه بفلسطين إلى التزام قانوني فعلي، أم سيبقى الاعتراف في حدود اللغة الدبلوماسية التي لا تغيّر من واقع الاحتلال شيئاً؟
وتصبح مسؤولية هذه الدول التي اعترفت بدولة فلسطين مضاعفة حين يتعلق الأمر بالمساءلة الدولية، فالقانون الدولي لا يكتفي بالاعتراف كتصريحٍ سياسي، بل يفرض التزامات إيجابية على الدول تجاه احترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.
وعليه، يمكن لهذه الدول، استنادا إلى مبدأ الاختصاص العالمي ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، أن تقدم شكاوى أو مذكرات دعم أمام المحكمة الجنائية الدولية، بخصوص الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا الدور لا يعد تدخلاً في الشأن الداخلي، بل ممارسة مشروعة لدولةٍ عضو في المجتمع الدولي تسهم في صون السلم والأمن الدوليين. وهنا، تتلاقى العدالة مع الدبلوماسية في لحظة اختبار حقيقية لمدى التزام الدول الموقعة بواجباتها الأخلاقية والقانونية.
وفي هذا الإطار، يعد تنظيم الأسس القانونية الدولية من زاوية إنسانية ضرورة لا مفر منها لضمان اتساق القانون مع واقعه التطبيقي، فالقوانين تفقد معناها إن لم تخدم الإنسان وتحمي كرامته، وهو ما يتطلب مقاربة جديدة تدمج بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ضمن رؤية شاملة للعدالة الوقائية.
فالضفة الغربية، بما تشهده من انتهاكاتٍ وقيودٍ، تمثل مختبرا لقياس قدرة القانون الدولي على حماية الإنسان لا الدولة فقط، إذ يتوقف مستقبل النظام القانوني العالمي على مدى نجاحه في التعامل مع قضايا الاحتلال، والتمييز، والتهجير، باعتبارها ليست نزاعات محلية، بل اختبارات كونية لإنسانية القانون ذاته.
وفي ضوء هذه المعادلة، يمكن القول إنّ مستقبل الضفة الغربية لن يحسم في ميادين الصراع العسكري أو المفاوضات الشكلية، بل في مدى نجاح الفلسطينيين والمجتمع الدولي في تفعيل أدوات القانون والاعتراف والمسؤولية الجماعية، حين تتحول الاعترافات الرمزية إلى التزامات قانونية، والمواقف الأخلاقية إلى إجراءات عملية، يمكن للعالم أن يخطو خطوة حقيقية نحو العدالة، عندها فقط، لن تبقى فلسطين مجرد قضية عالقة في جداول الأمم المتحدة، بل كياننا قانونيا وإنسانيا راسخا في الوعي الدولي، يفرض احترامه بالحق لا بالعنف، وبالشرعية لا بالشعارات.
الشباب الفلسطيني: جيل الوعي القانوني والتحول الفعلي ...
إنّ هذا المسار، وإن بدا معقداً، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الوعي القانوني والسياسي لدى الجيل الفلسطيني الصاعد، فالشباب اليوم لم يعودوا متلقين للواقع، بل شركاء في صياغته، يسعون إلى بناء خطاب حقوقي حديث يستند إلى القانون لا الانفعال، وإلى المعرفة لا التكرار.
ومن هنا، فإنّ الاستثمار في وعي الشباب القانوني هو الضمانة الأصدق لاستمرار النضال الفلسطيني ضمن أطرٍ حضاريةٍ ودوليةٍ مشروعة، تعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على الصمود، لا على السيطرة، فحين يمتلك الجيل الفلسطيني أدوات القانون كما يمتلك إرادة الوجود، لن تكون العدالة حلمًا مؤجلاً، بل مشروعاً يتحقق خطوةً بخطوة. في المعركة القانونية والسياسية مستمرة، والشباب الفلسطيني اليوم هو من يملك أن يجعل الاعتراف فعلا لا شعارا.
*باحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان



