ثقافة

‏الكاتب ..وهواجس ..الحرية ..الخوف ..لقمة العيش .. والابداع 

14 مشاهدة
‏الكاتب ..وهواجس ..الحرية ..الخوف ..لقمة العيش .. والابداع 

‏الكاتب : هيثم جابر   
 
‏ربما لا تصدق أن الكاتبة البريطانية الشهيرة "جوان كاثلين رولينغ" صاحبة سلسلة روايات "هاري بوتر " قد أصبحت مليارديرة نتيجة أعمالها الأدبية سالفة الذكر، حيث باعت حوالي 600 مليون نسخة من مؤلفاتها الإبداعية تلك، وقد قدرت مجلة "فور بس.. For bes.."ثروتها بحوالي 1.2 مليار دولار  لتكون من القلة النادرة التي تدخل موسوعة المليارديرات بفضل أعمالها الأدبية.

يذكر أن الكاتبة تبرعت باكثر من 200 مليون دولار للأعمال الخيرية ،وانتشرت أعمالها على مستوى العالم بأسره ،وقد تم تحويل رواياتها سلسلة "هاري بوتر" إلى افلام هوليودية مابين أعوام 2001 و2011 إلى افلام حققت إيرادات لدور العرض السينمائيه تجاوزت ال7 مليارات دولار.
‏فعندما يحقق كاتب هذه المبالغ الطائلة الخيالية من الطبيعي أنه سوف يبدع ويكرس حياته كلها لابداعه وإنتاجه الفني ،دون التفكير في الغد أو في لقمة العيش  التي يجب عليه توفيرها لأولاده .
‏عندما تسمع عن كاتب عربي أنه أخرج إلى النور رواية أو عملا أدبيا فهذا الكاتب تجاوز عملية الإبداع ليصبح معجزة لانه يكتب في ظروف بائسة  تتجاوز  "مثلث الرعب "الذي يلاحقه في أحلامه ويقظته على مدار الساعة ..لقمة العيش..الحرية..الخوف..
‏الكاتب العربي الذي لن يخشى فاتورة الكهرباء ،وتوفير الدواء، وقوت أطفاله، اعتقد أنه سوف يكتب ويبدع ،والكاتب المستقل اقتصاديا ،غير المرتبط بالراتب والحاكم سوف يبدع أكثر واكثر، وينهض بأمة بأكملها لانه لا يخشى السلطات الحاكمة أن تلاحقه في قوت يومه إن خرج عن الطريق المرسوم للعديد من الكتاب والمؤلفين.
‏وهنا تقودنا الاستقلالية الاقتصادية،وعدم الخوف من الملاحقة في لقمة العيش ،إلى ضلع المثلث الثاني وهو الحرية..هاجس كل مبدع وكل كاتب.
‏الحرية التي يجب أن تكون مظلة الكاتب وبيته الذي يحميه ..يكتب ما يريد ومتى يريد ،يعبر عن رأيه وعن آمال أمته ،وشعبه دون الخشية من عيون القصور والبلاط الملكي التي من الممكن جدا أن تسكته بكاتم صوت او حادث قضاء وقدر أو موت فجائي في ظروف غامضة،لذلك تجد العديد من الكتاب والمثقفين ،يسيرون تحت الحائط..وليس فقط بجانبه، وإما أن يلجؤون  إلى الرمزية أو التروية لاتقاء شر العسس وكلاب القصر.
‏لذلك لا ابداع لجائع .
‏الجائع يفكر في لقمة الخبز ،لا في الادب والا الشعر أو فنون المسرح أو في منهاج النقد الادبي . والملاحق الذي يخاف ضربات العسس والشرطة على باب بيته ليلا  لن يكتب ولن ينتج أدبا ابداعيا . فإما أن يسير تحت الجدار  أو يدور مع السلطان حيث دار ،يسحج ويصفق وبذلك تفتح له كل فضاءات قنوات التلفزة والصحف الكبيرة ،وسيتم ابتعاثه لحضور  المؤتمرات الثقافية الدولية وعلى نفقة الحكومات ،ويوقع كتبه في اشهر المؤسسات والوزارات بحضور رسمي وشعبي، وهنا سينحط المحتوى ويذهب الابداع إلى الجحيم .
‏الكاتب العربي يقضي حياته في صراع داخلي مع مثلث الرعب ..لقمة العيش ..الحرية ..الخوف ..
‏والخوف من كل شيء ..الخوف من الغد ..الخوف من الحاكم ..وحتى الخوف من زوجته والخوف من الحرية.
‏تصاب بصدمة عندما تسمع وترى أن الكاتبة البريطانية "رولينغ"بلغت ثروتها  اكتر من مليار دولار، وتغضب وتحزن وتضحك وانت تسمع عن كاتب عربي لايستطيع توفير لقمة الخبز لأطفاله ،مات وعاش في غرفة سكنتها الرطوبة والمرض مثل الكاتب الثائر المبدع "محمد الماغوط" تغضب وتحزن وانت تسمع في حفل تأبين الكاتب المقدسي "ماجد ابو غوش " كان من مجمل سيرته الإبداعية أنه عمل في أحد الفنادق طباخا لتوفير لقمة الخبز لأطفاله، ولم يكن متفرغا للكتابة الإبداعية ،لكنه أبدع وهذا قمة المعجزة والإبداع .

رحل الكاتب "محمد الماغوط" في غرفة تسكنها الرطوبة ،ولم يكن يمتلك ثمن الدواء ،لجسده الذي لم يعتب عليه سجن في بلده وأقام فيه فترة نقاهة عله يتخلص من مرض الكتابة ،ومرض الحرية، ومرض الوطن ، لكن دون جدوى .كتب في تلك الظروف وأصبح معجزة..
‏ليس المطلوب أن يكون الكاتب العربي المبدع مليارديرا.
‏لكن المطلوب أن لايكون متسولا ، المطلوب أن لا يكون خائفا يخشى على قوت أطفاله..المطلوب أن يكون حرا لايخاف ، ولا يتخذ الخوف مهنة أخرى يمارسها كلما وضع رأسه على اي وسادة..
‏وللأسف نحن نكرم ادباءنا ومثقفينا بعد أن يرحلوا إلى الله ويصبحوا من سكان المقابر.