الكاتب : المتوكل طه
*
البوقُ على شَفةِ النافخِ، فانتظروا الصَيْحَةَ!
سترَونَ الأهوالَ عَياناً،
حتى أنّ الأعمى سيرى كيف تطيرُ الصُحفُ،
ويلحظُ، بين لهاثِ الظُلْمةِ، أشكالَ البَرْقِ،
وكيفَ أعادوا أصحابَ الأخدودِ إلى الحَرْقِ،
وأنَّ اليومَ الموعودَ سيفتحُ أبوابَ الغيمِ
لكلّ مجرّاتِ الطَرْقِ،
وكيفَ يحطُّ النجمُ الثاقبُ فوقَ الفَوْقِ..
انتظروا ذَبْذَبةَ الرَّجَّةِ، حيثُ الظَهْرُ المكسورُ،
وأشلاءُ البلدِ المَسْجور،
وهبّاتُ الفوّارِ المنذورِ..
سيجأرُ قلبُ السَفْحِ، وينشقُّ الصخرُ،
ويرمي التنّورُ سيولَ الأنهارِ الموّارةِ
بِالوَحْلِ المسعورِ المصهورِ..
انتظروا..فإذا وقعَ المَسرى،
وأُقيمَ الوَهْمُ مقامَ الأرْزِ، فتلك نهاياتُ الدّيجور..
انتظروا..سيجيءُ دخانٌ يُعشي الكوكبَ،
ويسدُّ الآفاقَ، ويشتدُّ البَرْدُ..
العتمةُ سيّدةُ الأرضِ الخائفةِ،
وترجِعُ كلُّ هوامِ الأحجارِ إلى الشَّقِّ الباردِ،
وتكونُ الرّهبةُ قبلَ الصَعْقَةِ،
بين تضاعيفِ التلّاتِ المفزوعةِ..
أمّا الهَدَّةُ؛ فَخرابُ السَّدِّ الأعظمِ،
وغريقُ الأنهارِ الجامحِ،
حيثُ الينبوعُ الملهوفُ يحلُّ على الموجِ المدحورِ..
وجاءَ الزّبدُ الصُلْبُ لينطحَ آخرَ واحاتِ النَّخْلِ،
ولا مَن يجلسُ تحت الأعذاقِ،
فَقد سبَّخَتِ الأملاحُ الجَذْرَ المحرورَ..
ويبقى المشهدُ حيثُ الظمآنُ،
على الرَّمْلِ المذرورِ..
ولن يبقى شيءٌ من هذا الفعلِ "الماضي"،
شيءٌ سيحيلُ الدولَ إلى غبشٍ،
لن يذرَ ولن يُبقي زهراً أو غصناً،
سيفرّ الآباءُ من الأبناءِ،
وتنكركَ العمّاتُ، وتهجركَ الخالاتُ،
سيفرمكَ الجوعُ، ويحرقك الثلجُ،
ولن يبقى لضلوعِكَ بيتٌ مَستورٌ..
واختلطَ الحابلُ بالنّابلِ،
فالفتنةُ حطّت أرجلَها التسعين،
وتخبطُ كلَّ جدارٍ،
وتعفّر أحلامَ الرّائين..
انتظروا حتى ينشقَّ الليلُ عن الخيطِ..
فقد يظهرُ بعد ثلاثٍ، من هَلَعٍ أو جوعٍ أو وجعٍ،
أو نبدأُ بالعدِّ الثاني..
كي نسمعَ مَن عادَ يقرّعُ أصحابَ المدنِ الخطّائين،
يُحذّرُ مسّادةَ ممّا اقترفت،
وبأنّ التتبيرَ سيبدأ..
فانتظروا، وأعدّوا الزادَ لأيامٍ لن ترحمَ أحداً..
فلقد تمّ الحارقُ،
وانتصبَ القِدْرُ على الموقدِ،
والأُثْفِيَّةُ تتميّزُ بالغيظِ..
فهل مِن رجلٍ يوقفُ حطّابَ الكونِ الوثنيِّ؟
لقد حطَّ الباشقُ غيمتَه الحمراءَ على الأعشاشِ،
فلا أشجارَ، بتلك الصحراءِ، سيبقى، أو أعراشَ،
سترتبكُ الأفهامُ، وتختلّ البوصلةُ،
فلا يعرف مَن صلّى أين القِبْلةُ أو أين الأوثانُ!
الفتنةُ أحلكُ من ثوبِ اليائسِ،
والغاسقُ أقوى من فَلَقِ الصُبْحِ..
ولا مَن يملكُ آياتِ الفرقان!
فَعضّوا الجَذْعَ اليابسَ، حتى يورقَ،
أو تنغقَ في الريحِ الغربان.
انتظروا..ما زلنا في الدركاتِ الأولى،
سنؤوِّبُ في النارِ، ولن نصعدَ..
حتى نتطهّرَ من أدرانِ الشيطانِ..
انتظروا..
بعد قليلٍ؛ سيعودُ الموتى!
مَن حملوه إلى الدَمْعِ، نراهُ أمامَ الشاشاتِ،
سيضحكُ، بعد رحيلِ اثنينِ،
ويأتي أربعةٌ من خلفِ الأكفانِ..
وهذا مدعاةٌ للرقصِ الدمويِّ،
وأنَّ الجَدَّةَ لن تبكيَ فرحاً،
لن ترقصَ حول الطَبَقِ النبويِّ،
فقد مَلَّت من زَخِّ الشريانِ،
ويكفي ما كانَ..
أرى الأرضَ ستلبس ثوبَاً آخرَ..
وتلك فصولٌ أخرى ومواسمُ لم نَعْهَدْها،
ستغيبُ طبولُ البأسِ، لتبدأَ أعراسُ الحاراتِ،
انتظروا..سوف نصيخُ السَّمْعَ لِرَجْعِ الرَّعْدِ الشامخِ،
ونرى كيف سحابُ الشمسِ السابحِ
يملأُ ساحاتِ البلدِ الراسخِ..
سنرى ما يفتحُ هذا البرَّ لِعَرْشِ الغاباتِ الباذخِ..
وانتظروا..فالأرضُ ستبلعُ أمواجَ الخسْفِ،
وتقلعُ كلُّ سماواتِ القصفِ،
ويُقضى الأمرُ..
ونخرجُ مِن فوقِ الألواحِ إلى الشُطآن.
انتظروا.
لا يأسَ، وإن حلّ الطوفان..



