الكاتبة : سهير سلامة
ليست التجارب، مجرد أحداث نمر بها ثم نمضي، بل هي محطات تصنع وعينا، وتشكل نظرتنا للحياة، فبعض التجارب تُطوى مع الزمن، فتبهت تفاصيلها وتذوب في الذاكرة، لكن هناك تجارب أخرى تُروى، لأنها تركت أثرا عميقا، وغيرت شيئا فينا، أو علمتنا درسا لا يُنسى.
تُروى التجارب لا بدافع الحنين فقط، بل لأن في روايتها فائدة، حين نحكي ما مررنا به، نعيد فهمه من زاوية أهدأ، ونحول الألم إلى معنى، والخسارة إلى خبرة، فالتجربة التي تُروى تصبح جسرا بين الماضي والحاضر، وبين الفرد ومن حوله، وقد تكون نورا يهدي غيرنا طريقا كان مظلما.
كما أن رواية التجارب تعكس شجاعة صاحبها، فليس سهلا أن يعترف الإنسان بتعثره أو فشله. لكن في الصدق قوة، وفي الاعتراف نضج كثير، فأعظم النجاحات بدأت بتجربة قاسية، ولو طُويت تلك التجربة في الصمت، لما خرج منها الدرس، ولا وُلد الأمل.
التجارب التي تُروى لا تعني التعلق بالماضي، بل تعني التصالح معه، نحن لا نعيش أسرى لما كان، بل نحمله معنا كزاد للمستقبل، فكل تجربة صادقة تُروى، هي خطوة نحو إنسان أكثر وعيا، وأكثر فهما لنفسه وللحياة.
وفي النهاية، تبقى التجارب التي تُروى شاهدا على أننا عشنا حقا، تعلمنا، وتألمنا، ثم واصلنا الطريق… أقوى مما كنا.
تجارب تُروى ولا تُطوى.. لأن ما مر بنا شكّلنا، علّمنا كيف نقف بعد السقوط،
وكيف نميز بين ما يستحق البقاء
وما يجب أن نتركه خلفنا.
نرويها لا لنبقى أسرى لها، بل لنتعلم، وننضج، ونمضي أخف، لأنها ليست صفحات عابرة، بل آثار أقدام على طريق العمر. نرويها لتشهد أننا عبرنا،
وتعلمنا، ولم نخرج كما دخلنا .
* مراسلة "واثق نيوز" في المحافظات الشمالية



