الكاتب : د.طارق عاشور
في اذار 2023 هبطت عملة USDC الى قرابة 0.87 دولار، وهي عملة صممت لتساوي دولارا واحدا دائما. السبب ان شركة سيركل كشفت ان 3.3 مليار دولار من احتياطياتها محتجزة في بنك سيليكون فالي المنهار، ولم تعد العملة الى سعرها الا حين اعلنت السلطات الاميركية حماية المودعين. الحادثة تضع اليد على جوهر الموضوع: ثبات سعر العملة المستقرة يتوقف على جودة الاحتياطي والقدرة على الوصول اليه، وهذا ما تحاول القوانين الجديدة ضبطه. وقبل ذلك بعام انهارت عملة تيرا الخوارزمية التي لا احتياطي حقيقيا خلفها، ولهذا يفصل المحللون بين النوعين. ويقدر ان نحو 95 في المئة من العملات المستقرة اليوم مدعومة بعملات ورقية، و97 في المئة من هذه مقومة بالدولار.
تقوم الفكرة على تعهد جهة خاصة باسترداد الرمز بدولار واحد مقابل احتياطي من النقد واذون الخزينة، وهي ديون قصيرة الاجل تقترضها الحكومة الاميركية. والطلب على الرموز يأتي من ثلاث جهات متفاوتة الوزن. الاكبر حتى الان تداول الاصول المشفرة، ومعظم الطلب يأتي من ضمانات المشتقات والاقراض اللامركزي وسيولة شركات الكريبتو. والثاني التحويلات عابرة الحدود، ويقدر صندوق النقد الدولي كلفة التحويل حوالي 20 في المئة من المبلغ المرسل، وان حجم التداول بالرموز بلغ 23 تريليون دولار في 2024. والثالث حفظ القيمة في اقتصادات تعاني التضخم وقيود الصرف. وبلغت القيمة السوقية للقطاع 301 مليار دولار امس بحسب DefiLlama.
وتتركز السوق في يد مصدرين. تصدر تيثر نحو 183 مليار دولار من USDT وسيركل نحو 72 مليارا من USDC، فيبلغ نصيبهما معا قرابة 85 في المئة. وقدر جي بي مورغان ان الشركتين تحتفظان باذون خزينة بنحو 155 مليار دولار في اكتوبر 2025، اي 2.5 في المئة من الاذون القائمة، مقابل 33 في المئة لصناديق المال الاميركية و6.8 في المئة للمؤسسات الرسمية الاجنبية. اما تصنيف ستاندرد اند بورز لاستقرار USDT فهبط في نوفمبر 2025 الى الدرجة الخامسة الاخيرة، لان البيتكوين يشكل 5.6 في المئة من المعروض ويفوق هامش الضمان البالغ 3.9 في المئة، ولضعف الافصاح، مع اقرار الوكالة بان نحو ثلاثة ارباع الاحتياطي في ادوات منخفضة المخاطر. وردت تيثر بان التصنيف يطبق نموذجا وضع لمؤسسات تقليدية ويتجاهل سجل العملة عبر ازمات المصارف وانهيار المنصات.
يدور النقاش حول ثلاثة محاور، اولها علاقة العملات المستقرة بدين الخزينة الاميركية وضعف الاقبال على سنداتها. فكل رمز جديد يقابله احتياطي تشتري به الشركة اذون خزينة، وكلما زاد عدد الرموز زاد الطلب على هذا الدين. يرى وزير الخزانة بيسنت ان التشريع المسند الى الاذون سيوسع استخدام الدولار في العالم وان تريليوني دولار رقم معقول جدا، وهو تقدير ستاندرد تشارترد ايضا، وتتوقع ان يأتي ثلثا النمو من الاسواق الناشئة وان يولد طلبا جديدا على الاذون بين 0.8 وتريليون دولار حتى 2028، وان يبلغ الطلب الجديد الكلي على الاذون مع مشتريات الاحتياطي الفيدرالي 2.2 تريليون، اي اكثر من المعروض بنحو 0.9 تريليون. وتبلغ حصة الاذون 21.7 في المئة من الدين القابل للتداول، فوق نطاق 15 الى 20 في المئة الذي توصي به لجنة الاقتراض الاستشارية، ما يعني ان الخزينة تملك هامشا لتحويل الاصدار نحو الاذون. في المقابل، قدر جي بي مورغان ان يبلغ القطاع 600 الى 700 مليار دولار بحلول 2028. وللمقارنة، بلغ عجز الموازنة الاميركية في السنة المالية الاخيرة نحو تريليوني دولار او 6.2 في المئة من الناتج المحلي، فالتقدير المتفائل يغطي نصف عجز سنة واحدة على الاكثر، والاثر المتوقع يقع في تركيبة الدين وعمره وليس في حجمه. اما ضعف الاقبال الخارجي فتؤكده بيانات الخزانة لشهر اب الماضي، اذ هبطت حيازة الصين الى 591 مليار دولار من نحو 700 مليارا قبل عام، فيما بلغت حيازة اليابان 1068 مليارا.
المحور الثاني السيادة النقدية. ففي ايلول الماضي عد مصرف روسيا المركزي العملات المستقرة والاصول الرقمية بدائل محتملة عن الروبل وخطرا على السوق المالية، وابقى في تصوره حظر الدفع بها بين المقيمين وحذر من الدولرة الاقتصادية، اي ان يستخدم الناس عملة اجنبية بدل عملتهم. وقال البنك المركزي الصيني قبل نحو عام انها تهدد الامن المالي ولا تستوفي معايير مكافحة غسل الاموال. وفي اوروبا حذر باحثون في البنك المركزي الاوروبي من مخاطر كبيرة على مصارف منطقة اليورو وعلى السيادة النقدية، لان انتقال الودائع الى الرموز يقلص قدرة المصارف على الاقراض ويضعف انتقال اثر اسعار الفائدة، وتشتد المخاطر اذا هيمنت عملات غير اليورو. ويضيف صندوق النقد الدولي احلال العملة وامكان الالتفاف على ضوابط رؤوس الاموال، والاسواق الناشئة اكثر انكشافا. اما بنك التسويات الدولية فقال ان الرموز تقصر عن وظيفة النقد في الوحدوية، اي قبول كل اشكال النقد بالقيمة نفسها، وفي المرونة، اي قدرة النظام على توفير السيولة وقت الازمات، وفي التشغيل البيني والنزاهة، وشبهها بصناديق المؤشرات. ويرد اتجاه مقابل على هذه الاحكام: ترى اتش اس بي سي ان معيار الوحدوية عند بنك التسويات ضيق وان الرموز قادرة على تحقيق ما يعادلها في العالم الرقمي، وان المرونة غير مطلوبة منها اصلا، ويقول مدافعون عنها ان سكان الارجنتين وتركيا يستخدمونها وسيلة نجاة من تضخم عملاتهم. وقد تحركت جهات رقابية نحو الاحتواء اكثر من الحظر، اذ اسقط بنك انجلترا في حزيران الماضي سقوف الحيازة الفردية المقترحة للرموز المقومة بالاسترليني ووضع حدا ارشاديا للاصدار بـ40 مليار جنيه، وتدرس موسكو نفسها عملة مستقرة بالروبل.
المحور الثالث ما يتردد عن اداة اميركية للسيطرة تمحو الاصول بضغطة زر. ما في القانون فعلا ان قانون جينيوس الموقع في العام الماضي يلزم المصدر بقدرة تقنية على التجميد والحرق والحجب بامر قانوني، وينسق مع وزارة الخزانة قبل ادراج العناوين المحجوبة، ويشترط ان يكون الاحتياطي واحدا الى واحد من النقد واذون لا تتجاوز 93 يوما ويفصل عن اصول المصدر، ويلزم من يتجاوز اصداره 50 مليار دولار بتدقيق سنوي. ويرى منتقدون ان هذه الصلاحيات تمد ادوات العقوبات الى حائزي الدولار خارج المصارف. ويرى مؤيدون انها استجابة لما اخذه بنك التسويات على الرموز في باب النزاهة وغسل الاموال، وانها تطال عناوين بعينها بامر رقابي وتشبه تجميد حساب مصرفي. وتبقى حقيقتان لم تحسما: القواعد التنفيذية ما زالت في معظمها مقترحات، واكبر مصدر لا يخضع بعد لاطار رقابي متين بحسب تقييم ستاندرد اند بورز.
ويتصل بهذه المحاور جدل في الاقتصاد السياسي حول الذهب. فقد ذكر مجلس العالمي للذهب في حزيران الماضي ان 45 في المئة من مديري احتياطيات المصارف المركزية، ينوون زيادة حيازتهم منه خلال عام، وان 74 في المئة يتوقعون تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال خمس سنوات، وان 85 في المئة من مسؤولي الاسواق الناشئة يعدونه تحوطا من المخاطر الجيوسياسية.
ويقرأ اصحاب هذا الرأي ذلك دليلا على ان الدول لا تطمئن الى ان اصولها بالدولار بمأمن من التجميد، وهو خوف عززه تجميد نحو 300 مليار دولار من احتياطيات روسيا بعد 2022، ويرون ان قانونا يمنح واشنطن قدرة على تجميد الرموز يزيد دوافع الهروب الى الذهب ويحد من جاذبية الرموز لغير الاميركيين.
غير ان ارقام صندوق النقد الدولي تعطي صورة اعقد: ارتفعت حصة الدولار في الاحتياطيات الى 57.13 في المئة في الربع الاول من هذا العام من 56.42 في المئة قبله، ويعود نحو نصف الارتفاع الى سعر صرف الدولار وليس الى زيادة المشتريات، وتبقى الحصة دون 71 في المئة التي سجلتها قبل ربع قرن.
والمشتري مختلف ايضا: الذهب تشتريه الدول لحماية احتياطياتها، اما الرموز فيستخدمها افراد وشركات يريدون دولارا يتحرك بسرعة، ولهذا لا يلغي طلب احد الطرفين طلب الاخر بالضرورة.
ويقدم المؤيدون الرموز( العملات المستقرة) وسيلة لاستمرار الهيمنة، وهذا ما اعلنه بيسنت صراحة حين ربط التشريع بحماية مكانة الدولار عملة احتياط عالمية. فالدولار يحتل نحو 97 في المئة من الرموز المدعومة بعملات ورقية، ومن يحتفظ برمز في اسطنبول او بوينس ايرس يقرض الخزينة الاميركية عمليا. ويرى المنتقدون ان هذه الهيمنة تقوم على سوق يتركز في مصدرين اضعفهما تصنيفا اكبرهما، وان اي اهتزاز في ثقة حاملي USDT قد ينقل ضغط البيع الى سوق الاذون، وهو ما حذر منه صندوق النقد في حديثه عن البيع الاضطراري للاصول.
اما كون الرموز الخيار الامثل لواشنطن مع تنامي العجز فتتعدد القراءات فيه. البدائل المتاحة هي خفض الانفاق او رفع الضرائب وليس لهما اجماع سياسي، واستمرار الرسوم الجمركية التي تدعم استقرار الايرادات، وتحويل الاصدار نحو الاذون، ومشتريات الاحتياطي الفيدرالي. وعليه تبدو الرموز اضافة مفيدة وليست حلا: تخفض كلفة جزء من التمويل قصير الاجل لكنها لا تلمس العجز، وتزيد حساسية الدين لاسعار الفائدة لان الاذون تجدد كل بضعة اشهر، وفوائد الدين بلغت نحو 1.1 تريليون دولار في السنة المالية الاخيرة .
اما التوقعات فتتوزع بين مسارين لا يتعارضان بالضرورة. الاول انتشار في الهوامش: اقتصادات يضغط عليها التضخم وقيود الصرف، وسوق التحويلات، وتسوية صفقات الاصول المشفرة، وهو ما يتفق مع ترجيح ستاندرد تشارترد ان يأتي ثلثا النمو من الاسواق الناشئة. والثاني ترسخ المخاوف في التشريع: الصين تعارضها، وروسيا تحصرها في اطر ضيقة، وبنك انجلترا يضع حدا ارشاديا للاصدار، واوروبا تتجه الى اليورو الرقمي، فلا يتوقع ان تنتشر الرموز الدولارية في اقتصادات تملك مصارف مركزية قوية وبدائل رقمية. والمرجح ان يتحقق المساران معا، نمو في اطراف النظام المالي وتحصين في مراكزه، بحجم قريب من تقدير جي بي مورغان ان لم تتغير القواعد، ويقترب من تقدير ستاندرد تشارترد اذا انتقلت ودائع الاسواق الناشئة بسرعة الى الرموز.
ما سيحسم الجدل مؤشرات قابلة للقياس: صدور القواعد النهائية لقانون جينيوس، وتركيبة احتياطي تيثر ونتيجة اول تدقيق كامل لها، وحصة الرموز من الاذون القائمة قياسا الى 2.5 في المئة اليوم، وحيازة الاجانب لسندات الخزينة وحصة الذهب في احتياطيات المصارف المركزية، وما اذا كانت الودائع المرمزة التي تصدرها المصارف، ومنها جي بي مورغان، ستسحب العملاء من الرموز الخاصة. وبحسب هذه المؤشرات سيتضح اي الرأيين اقرب الى الواقع..

