الكاتبة: كريستين حنا نصر
في ظل الحرب المستمرة بين النظام الإيراني من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي تتأرجح بين احتمالات الوصول إلى حل أو اتفاق بات بعيد المنال، لا يبدو أن هناك اتفاقاً في الأفق. وبدلاً من تراجع التصعيد والسعي إلى تسوية سياسية، تتفاقم حدة الحرب، بدءاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمطر سماء الشرق العربي والخليج العربي، بذريعة إيرانية تتمثل في استهداف القواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول.
وفي إطار تبادل الضربات الذي جرى بالأمس بين الولايات المتحدة وإيران، كان من ضمن الضربات الإيرانية استهداف أراضي المملكة الأردنية الهاشمية. وهنا يبرز تساؤل أساس : هل أصبح النظام الإيراني يتعامل مع سيادة هذه الدول وتحالفاتها الدولية مع دول العالم وكأنها جزء من حساباته العسكرية والسياسية؟ في الوقت ذاته، يرى النظام الإيراني أن من حقه التحالف السياسي والاقتصادي مع الصين وروسيا، بل وتزويد الصين بالنفط بأقل من 30% من السعر العالمي مقابل الحصول على بضائع ومواد تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني.
ومع تعمق الحرب، سارت التطورات والأحداث كما لا تشتهي السفن. فالوضع الداخلي الإيراني يترنح اقتصادياً وعسكرياً جراء العقوبات الأمريكية والخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات وحصار الموانئ، إلى جانب وطأة الحرب.
وقد أقر الرئيس مسعود بزشكيان بهذه الخسائر، معترفاً بأن التجارة الخارجية تقلصت بنحو 35% جراء العقوبات، مؤكداً في الوقت ذاته استمرار النظام الإيراني في السعي إلى المسار الدبلوماسي.
وفي المقابل، لعب النظام الإيراني مراراً بورقة مضيق هرمز وإمكانية إغلاقه، بما يسبب عرقلة لحركة الطاقة العالمية. إلا أن هذه الورقة تبدو اليوم وكأنها انعكست على إيران نفسها، لتتحول إلى عامل ضغط يخنق الاقتصاد الإيراني في هذه المرحلة الحساسة من الصراع والحرب الإيرانية ـ الأمريكية.
وفي سياق الضغوط الاقتصادية، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على بنك مصر بسبب تعامله مع إيران، كما منعت فروع البنك في الإمارات من التعامل وإجراء معاملات بالعملة الأمريكية، الدولار. وتوسع الولايات المتحدة عقوباتها لتشمل أي دولة تتعامل مع طهران، في محاولة من الإدارة الأمريكية لدفع الحكومات إلى الوقوف إلى جانبها بهدف عزل النظام الإيراني عن دول العالم.
ومن المقرر أن يعقد اجتماع مجموعة العشرين قريباً على مستوى وزراء الخزانة والمالية ورؤساء البنوك المركزية، في مسعى لتثبيت وتعزيز سياسة عزل النظام الإيراني اقتصادياً. وسوف تحضر الصين وروسيا هذا المؤتمر، وهما من أكبر القوى الصناعية والاقتصادية في العالم.
وفي المحصلة، لا يقتصر الضغط على النظام الإيراني على الجانب العسكري، بل يترافق معه ضغط اقتصادي ينهك الاقتصاد الإيراني ويشل قدرته على الصمود. وبعد حوالي 184 يوماً من الحرب، تعاني إيران من تهاوي اقتصادها الداخلي تحت وطأة العقوبات الأمريكية، وفي المقابل يغلي الشارع الإيراني.
فهل يمكن احتواء الأزمة، أم ينفجر الشعب الإيراني في مظاهرات داخلية واسعة، في ظل تفاقم الظروف المعيشية الصعبة للمواطن الإيراني؟
تُقدّر الخسائر الاقتصادية الإيرانية بنحو 270 مليار دولار، فيما سجلت أضرار في حوالي 50 ألف وحدة سكنية جراء الحرب، دُمّرت 20 ألفاً منها بالكامل، كما تضررت نحو 1300 وحدة صناعية، الأمر الذي انعكس سلباً على الإنتاج الإيراني.
وقد وصلت فاتورة الحرب إلى جيب المواطن الإيراني مباشرة، إذ تهاوى الريال إلى نحو مليوني ريال مقابل الدولار. ومع تراجع قيمة العملة، أصبحت السلع المستوردة من الخارج مكلفة جداً، الأمر الذي زاد من غلاء المعيشة وضغط على كاهل المواطن الإيراني الذي بات يواجه تضخماً متزايداً وارتفاعاً حاداً في الأسعار، ناهيك عن فقدان الكثير من العائلات وظائفها.
كما تفاقمت أزمة البنزين، مع ارتفاع الأسعار والنقص في الإمدادات، وازدياد الطوابير أمام محطات الوقود. وتستهلك إيران حوالي 135 مليون لتر من البنزين يومياً، في حين تراجع توافر البنزين حالياً إلى حوالي 15 مليون لتر يومياً. وتشكل أزمة الوقود وجهاً آخر من أوجه فاتورة الحرب التي يدفع ثمنها المواطن والاقتصاد الإيراني.
كذلك تراجعت التجارة الخارجية بنحو 35%. وفي المحصلة، أصبح مضيق هرمز نقطة اختناق لإيران، بدلاً من أن يكون ورقة ابتزاز ووسيلة لعرقلة الملاحة العالمية. فقبل الحرب، كان المضيق يشهد عبور السفن وناقلات النفط بمعدل سفينة كل ربع ساعة، بينما أصبحت سفينة واحدة تقريباً تعبر المضيق كل أربع ساعات، ما يعني تقليصاً كبيراً في حركة التجارة.
أما سوق العمل الإيراني، فقد خسر حوالي مليون وظيفة، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى فقدان الكثير من الأسر مصدر دخلها الأساس .
الخسائر العسكرية ..
تكبد النظام الإيراني كذلك خسائر عسكرية كبيرة جراء الحرب، إذ أصبحت حوالي 60% من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية خارج الخدمة، كما تعطلت مئات من منظومات الدفاع الجوي. ولم يسلم الطيران المدني من دفع فاتورة الحرب، حيث خرجت 60 طائرة عن الخدمة، ودُمرت 20 طائرة بالكامل، فيما بقيت حوالي 60 طائرة ركاب عاملة فقط، معظمها من الطراز القديم.
وفي خضم هذا الانهيار المتسارع اجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً للنظام الإيراني، تأتي رسائل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي متأخرة، في محاولة للسعي إلى توحيد الصف بين الشعب والنظام الإيراني، وكذلك بين أركان النظام نفسه، في ظل الفترة العصيبة التي يمر بها النظام جراء الحرب والحصار الاقتصادي والعقوبات التي أثقلت كاهل المواطن الإيراني، والتي قد تؤدي إلى انفجار الوضع الداخلي واندلاع مظاهرات ضد النظام الإيراني الحالي.
وتأتي رسالة الوحدة التي أرسلها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى الشعب الإيراني في محاولة لإعادة تقديم النظام، من زاوية الدولة، باعتباره نظاماً صديقاً للدول المجاورة للجغرافيا الإيرانية، وكذلك للدول العربية التي طالتها التهديدات والصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنها دول الخليج مثل الإمارات والبحرين، ودول الشرق العربي، ومنها لبنان وسوريا والعراق والمملكة الأردنية الهاشمية.
فقد تعرضت هذه الدول لضربات إيرانية خلال الحرب، إلى جانب التهديدات المتكررة واستهداف المواقع الحيوية ومصافي النفط والمطارات والأماكن السكنية، بحجة وجود قواعد أمريكية في هذه البلدان.
لكن الحال تغير الآن، وأصبحت الرسائل تتحدث عن الوحدة مع هذه البلدان المتضررة من الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والتي جرى إطلاق بعضها بالتعاون مع حلفاء النظام الإيراني من الميليشيات الموجودة سابقاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وهنا يحاول مجتبى خامنئي، من خلال رسائله، وضع الدول العربية والإسلامية إلى جانب النظام الإيراني والسعي إلى توحيد صفوفها معه، وذلك في مرحلة دقيقة يتهاوى فيها الوضع العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الإيراني.
ويبدو أن هذه الرسالة جاءت متأخرة كثيراً، في محاولة لربط هذه الدول وتوحيدها تحت عنوان الوحدة الإسلامية، وكذلك السعي إلى الوحدة مع هذه الدول في مواجهة العدو الأمريكي والإسرائيلي، وضمها إلى ما يسمى «وحدة الساحات» التي تعرضت وحدتها إلى التهالك، بالتزامن مع سعي الدول التي تهيمن عليها الفصائل والميليشيات الموالية للنظام الإيراني إلى فرض سيادتها وحصر السلاح بيد الجيش والدولة.
وينطبق ذلك على العراق، حيث يجري السعي إلى إعادة ضبط نفوذ الفصائل المسلحة، وكذلك على لبنان، في ظل الضربات القوية التي ألحقت أضراراً بمحور المقاومة وحزب الله اللبناني.
لقد جاءت هذه الرسائل متأخرة للسعي إلى تحقيق وحدة مع الدول العربية والإسلامية التي تضررت أصلاً من سياسات محور المقاومة. كما جاءت بعد سنوات من الحروب الطائفية الشيعية ـ السنية في العراق وسوريا ولبنان، والتي خلقت شرخاً عميقاً في المجتمع العربي، وفي دول الخليج، إضافة إلى هيمنة إيران على مفاصل ومقدرات العراق لعقود.
فات القطار ..
في المحصلة، يبدو أن القطار قد فات، وأن الثقة قد انعدمت كلياً بين إيران وجيرانها من الدول الخليجية والعربية. وهذه الدول تعمل الآن على تعزيز دفاعاتها الجوية للتصدي للضربات الإيرانية، ومنها الإمارات ودول الخليج والشرق العربي.
وبالتالي، فإن هذا الخطاب وهذه الرسائل فقدت، للأسف، الكثير من شرعيتها وتأثيرها، ولم تعد تجدي نفعاً، ولن يكون من السهل أن تتقبلها الشعوب ودول الشرق الأوسط بعد ما شهدته المنطقة من صراعات وتوترات وضربات وتهديدات.
وتبرز هنا مفارقة أخرى تتعلق بالغموض الناتج عن عدم وجود مجتبى خامنئي وحضوره أمام الناس والكاميرات ووسائل الإعلام. فهذا الغياب يزعزع قوته وحضوره وتأثيره، سواء على الداخل الإيراني أو على الخارج، وعلى الدول التي يريد تحقيق الوحدة معها.
كما أن هذه البيانات والرسائل المنسوبة إلى المرشد الغائب تؤثر حتماً في وحدة محور المقاومة وما يسمى «وحدة الساحات». فالمطلوب أن يظهر هذا القائد باعتباره قائد هذا المحور والمرشد الأعلى له، وأن يُنظر إليه بوصفه الأب الروحي لهذا المحور، إلا أنه لم يظهر فعلياً أمام الناس ولم يخاطبهم بشكل مباشر، فيما تأتي هذه التصريحات والرسائل في ظل غياب جسدي كامل عن المشهد على أرض الواقع.
وتحذر رسائل المرشد من الانقسامات، داعية الشعب الإيراني إلى الوحدة، في وقت يغلي فيه الشارع، ويبدو على وشك الانفجار بمظاهرات عارمة.
ويبقى السؤال: هل سينجح النظام الإيراني في احتواء هذه الأزمة، أم أنه لن يتمكن من ذلك، ويصبح انفجار الشارع الإيراني أمراً قادماً لا محالة؟
لقد تحولت العقوبات والحصار البحري ومعضلة مضيق هرمز إلى مشهد سياسي واقتصادي ضاغط على النظام الإيراني، وبدأ هذا الضغط يتفشى من الداخل، بالتزامن مع تزايد غضب الشارع وتصاعد الخلافات بين أفراد السلطة والانقسامات حول المسؤولية.
وهكذا يجد النظام الإيراني نفسه أمام معادلة صعبة ومعقدة، تجمع بين غضب الشعب، وتحديات العقوبات الخارجية، والسعي إلى السيطرة على الوضع الداخلي، في وقت ينذر فيه المشهد بانفجار داخلي قد يحدث في أي لحظة.
