آراء

الجوع في زمن الحرب: ملاحظات من الحياة اليومية للجوع فى غزة  

29 مشاهدة
الجوع في زمن الحرب: ملاحظات من الحياة اليومية للجوع فى غزة  

الكاتب: د بسام سعيد
 
لم أكن أتصور أن يصبح الجوع يومًا محور الحياة اليومية بهذا الشكل الطاغي. فخلال أشهر الحرب والتجويع، لم يعد الغذاء مجرد حاجة من بين حاجات أخرى، بل أصبح القضية المركزية التي تدور حولها أحاديث الناس وقراراتهم ومخاوفهم وتحركاتهم. بدا الأمر وكأن المجتمع بأكمله قد أُعيد تنظيمه حول سؤال واحد: كيف يمكن الحصول على شيء يؤكل اليوم؟
في بداية هذه التجربة، كان كثيرون يقارنون ما يعيشونه بصور المجاعات والحروب التي اعتادوا مشاهدتها عبر شاشات التلفاز. غير أن تلك الصور سرعان ما فقدت طابعها البعيد وتحولت إلى واقع معاش بمعنى ما كنا نخشاه نعيش فيه ! أصبح البحث عن كسرة خبز أو كمية بسيطة من السكر  أو الأرز جزءًا من الممارسة اليومية، وتحول الغذاء من عنصر مألوف في الحياة إلى مورد نادر يستنزف الوقت والجهد والتفكير.
من خلال معايشتي للحياة اليومية آنذاك، لاحظت أن الأسر أعادت ترتيب أولوياتها الغذائية بصورة شبه تلقائية. كان الأطفال وكبار السن والمرضى يتصدرون قائمة المستحقين للطعام، بينما يتنازل الآخرون عن حصصهم أو يؤجلون احتياجاتهم ، ولقد لاحظت  بعض النساء أنهن كنّ يقتسمن ما يتوفر لديهن من الخبز اليابس حتى مع الحيوانات الأليفة، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مظاهر الحياة والعلاقات اليومية وانا كذلك كنت افعل مثلهن ! 
فى ظل هذا الواقع المر والخوف الجمعى من الجوع ، لم  يعد الطعام يُقيَّم على أساس الطعم أو الجودة أو التنوع، بل على قدرته على منح الشعور بالشبع. كانت بقايا المكرونة أو العدس أو أي مادة متاحة تُعامل بوصفها موردًا ثمينًا يجب الحفاظ عليه واستثماره بأقصى قدر ممكن من الحذر.
ومع استمرار الأزمة، تغيرت العلاقة مع المواد الغذائية الأساسية اختفى الدقيق والسكر والشاي من الأسواق أو أصبح الحصول عليها أمر  بالغ الصعوبة. وأصبحت أشياء بسيطة للغاية مثل ملعقة من السكر، والتى أصبحت  تحمل قيمة تفوق بكثير  قيمتها المعتادة ، لدرجة اننى اشتريتها لوالدى المريض أكثر من مرة بمبلغ يقترب من اللامعقول ! أما انا فاكتفيت بشرب الشاى بدون سكر مع وضع أوراق النعناع على الشاى فى وصفة من صديق للتغلب على الطعم المر .   كان الناس يتحدثون عن هذه المواد الغذائية كما لو كانوا يتحدثون عن أشياء نادرة أو استثنائية.
 أما اللحوم والأسماك والبيض والخضروات والفواكه، فقد تراجعت من دائرة الاستهلاك اليومي إلى دائرة الأمنيات والذكريات.
ولم تكن آثار الجوع محصورة في موائد الطعام فقط، بل ظهرت بوضوح على الأجساد. كنت ألاحظ التغير التدريجي في ملامح الناس؛ الوجوه أكثر شحوبًا، والأجسام أكثر نحافة، والملابس أكثر اتساعًا على أصحابها. وأصبح من المألوف رؤية أشخاص يربطون سراويلهم بوسائل مختلفة بعد أن فقدوا قدرًا كبيرًا من أوزانهم. كما لاحظت ميل كثيرين إلى تقليل الحركة وتجنب الأعمال المجهدة وكذلك تجنب كثيرا من الزيارات العائلية، ليس كنوع من الكسل، وإنما كاستراتيجية واعية للحفاظ على ما تبقى لديهم من طاقة.
داخل البيوت، فرضت الندرة أشكالًا جديدة من التدبير اليومي. كانت الأسر تفتش باستمرار عما تبقى لديها من مخزون غذائي، مهما كان ضئيلاً. كما عاد كثيرون إلى وصفات شعبية قديمة تعتمد على أقل قدر من المكونات المتاحة. وقد بدت هذه الوصفات أشبه بمحاولات جماعية للتكيف مع واقع لا يسمح بالاختيار بقدر ما يفرض الاكتفاء بما هو موجود.
في الفضاء العام، كان مشهد انتظار المساعدات الإنسانية يكشف جانبًا آخر من أثر الجوع على المجتمع. فقد اعتاد الناس مراقبة الأخبار والشائعات المتعلقة بوصول الشاحنات والقوافل الإغاثية. وعندما تقترب إحدى الشاحنات، يتجمع الآلاف حولها في وقت قصير تحت القصف والخوف   لايهم ذلك ،  هناك يصبح الطعام أكثر من مجرد مادة استهلاكية؛ يصبح موضوعًا للمنافسة والصراع والنجاة. رأيت كيف يتحول التدافع إلى جزء من المشهد اليومي، وكيف يركض الجميع في اتجاه واحد مدفوعين بإحساس مشترك بأن الفرصة قد لا تتكرر . وفي خضم هذا التزاحم، كان بعض الأشخاص يسقطون أرضًا تحت الأقدام أو عجلات المركبات، فيما فقد آخرون حياتهم خلال محاولتهم الحصول على كيس طحين أو كمية محدودة من الأرز أو السكر ، ولا أحد يأبه بالآخر !!
هذا الواقع يوصف بأنه  معركة بقاء  غير معلنة، يصبح فيها الأقوى والأكثر قدرة على الحركة والجرى والتحمل أوفر حظًا في الوصول إلى الموارد .
في تلك اللحظات، كانت قواعد الحياة المعتادة تتراجع أمام منطق البقاء. فالحصول على كيس طحين أو كمية من الأرز أو السكر لم يكن مجرد مكسب مادي، بل كان يعني القدرة على تأمين الطعام لأيام إضافية. ولهذا كان بعض الناس يتباهون بما تمكنوا من الحصول عليه، لا باعتباره ثروة، بل باعتباره انتصارًا مؤقتًا على الجوع ، و يتفاخرون بما استطاعوا جمعه من السكر أو الدقيق، ولو كان يكفي لأيام قليلة فقط، في ظل غياب اليقين بشأن المستقبل أو ما قد يحمله اليوم التالي..
كما رصدت خلال تلك الفترة نشوء أنماط جديدة من الاقتصاد والسلوك الاجتماعي. فقد ظهرت مجموعات وأفراد تخصصوا في الاستيلاء على المساعدات أو السلع النادرة وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة للتجار ومن ثم الى من يستطيع الشراء ،  وفي الوقت نفسه، ظهرت حالات أخرى أقرب إلى ما تصفه الأدبيات التاريخية بظاهرة     "الصعلكة"، حيث كان بعض الأفراد يستولون على شاحنات المساعدات بالقوة ويوجهون محتوياتها إلى أحياء أو أزقة محددة ليقتسمها المحتاجون، أو الأقارب رغم ما كان يصاحب ذلك من عراك وتدافع وشجارات، وأحيانًا من أعمال عنف وسقوط ضحايا.
 وبين هذين النموذجين، تشكلت شبكات معقدة من المصالح والتضامن والمنافسة، أفرزتها ظروف الحرب والحرمان.
ما كشفته هذه التجربة هو أن الجوع ليس مجرد نقص في الطعام، بل قوة اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل المجتمع بأسره. فهو يغير أولويات الناس، ويعيد تنظيم العلاقات داخل الأسرة، ويترك آثاره على الجسد، ويخلق اقتصادًا خاصًا به، ويعيد تعريف معنى الأشياء وقيمتها. وخلال تلك الأشهر، بدا أن الحياة كلها قد انكمشت إلى مهمة واحدة متكررة: البحث عن أي شيء يمكن أن يسد الرمق ويؤجل مواجهة الجوع ليوم آخر. وهذا ما جعل الجوع، أكثر من كونه حالة فردية، تجربة جماعية أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحرب والتجويع.

* أكاديمي وكاتب 

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية