رام الله ـواثق نيوز -في ظل أزمة مالية خانقة تعصف بالوضع الاقتصادي في فلسطين، تتصاعد حدة الإضرابات النقابية مع استمرار صرف رواتب مجتزأة وبمبالغ محدودة لموظفي القطاع العام، إذ لم تتجاوز نسبة الصرف في الأشهر الأخيرة ال 2000 شيكل.
هذا الواقع دفع بالنقابات العمالية إلى التحرك والضغط، في محاولة لحماية حقوق العاملين، وسط حالة متزايدة من القلق والخوف، من أن تتراجع نسب الصرف أكثر في الأشهر المقبلة، أو حتى تنعدم، في ظل تضاؤل الحلول واستنفاد الخيارات المتاحة أمام الحكومة.
وبين تصعيد نقابي وتحذيرات من تداعياته، يقف المشهد الاقتصادي على مفترق طرق حساس ينذر بمزيد من التعقيد، وبمزيد من الازمات، والتي تنعكس سلبا على تقديم الخدمات، التي يحتاجها المواطن، في ظل تصاعد مستوى المعيشة، والذي ينذر بدوره بكارثة، منتظرة.
وتعليقا على الحراك النقابي، يقول الباحث ومؤسس مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية إياد الرياحي في تصريح له، إن الإضرابات النقابية متوقعة وتشكل حقا مشروعا لكل العاملين والعاملات بعد صبر طويل على واقع آخذ في التحول من أزمة طارئة إلى حالة مستدامة.
وأوضح الرياحي، أن الأزمة المالية الخانقة لم تعد تقتصر على فئة دون أخرى، بل طالت معظم المواطنين ومختلف القطاعات، مشيرا إلى أن جذور الأزمة تعود بالدرجة الأولى إلى عجز الحكومة عن تحصيل أموال المقاصة، نتيجة سياسات إسرائيل التي تسعى لتحويل هذا الملف إلى أزمة دائمة داخل المجتمع الفلسطيني، ما فاقم الضغوط على المالية العامة وأضعف قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها.
ولفت الرياحي، إلى أن معظم الحلول التي اعتمدت عليها الحكومة خلال الأشهر الماضية لم تعد متاحة اليوم، لافتا إلى أن الرهان على المساعدات الخارجية، بما في ذلك فكرة إنشاء صندوق طارئ يغطي الموازنة العامة لستة أشهر، لم يتحقق عمليا.
كما أشار إلى أن خيار الاقتراض من البنوك وصل إلى حدوده القصوى، في ظل عدم قدرة القطاع المصرفي والدورة الاقتصادية، على تحمل مزيد من الديون، ما أدخل الحكومة في مأزق حقيقي انعكس على الموظفين والموردين، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الأدوية.
وأشار إلى أن ما فاقم حالة الاحتقان هو ما وصفه بعدم العدالة في توزيع الموارد المحدودة، مستشهدا بصرف نحو 5 آلاف شيكل للعاملين في السلك القضائي باعتباره أولوية، في وقت تعاني فيه قطاعات أساسية كالصحة والتعليم من انهيار متسارع، إلى جانب توقف برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الفقيرة منذ أشهر، مشددا على أن هذه القطاعات يجب أن تكون في صدارة الأولويات، وأن توزيع الموارد يجب أن يتم بشكل عادل وشامل.
فيما اكد خبراء في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، أن هذه الإضرابات، قد تحقق بعض المطالب الجزئية، لكنها لن تكون قادرة على حل الأزمة بشكل جذري، نظرا لطبيعتها العميقة، محذرين في الوقت ذاته من الأضرار التي قد تلحق بالمواطنين، نتيجة تعطل الخدمات الأساسية، ويجب على الحكومة تحمل مسؤولية عدم توفير موازنات طوارئ لقطاعات حيوية، ويجب مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع القائم، باعتبار ان الأزمة في جوهرها سياسية، وليست فنية، ناتجة عن ممارسات الاحتلال، ولا يجب الاستمرار في معالجتها عبر أدوات مالية كالقروض، التي أدت إلى تعقيد المشهد بدلا من حله.
وفي ذات السياق، اشار مراقبون اقتصاديون، إلى ما وصفوه بفشل الحكومة في تجنيد دعم خارجي دون تقديم تنازلات تمس ملفات حساسة، مثل مناهج التعليم وبرامج الحماية الاجتماعية، كما جرى في اجتماع بروكسل، باعتبارها انتكاسة سياسية.
كما حذر الخبير الاقتصادي الرياحي من أن استمرار احتجاز أموال المقاصة، سيقود خلال الأشهر المقبلة، إلى عجز الحكومة عن صرف أي جزء من الرواتب، خاصة أن معظم الإيرادات المحلية تذهب لسداد التزامات البنوك، لافتا إلى أن الأدوات التي استخدمتها الحكومة، مثل ربط شيكات البلديات وكفالة شركات كبرى كقطاع الكهرباء، لم تعد كافية لمعالجة الأزمة، مؤكدا أن المخرج من الأزمة يتطلب تحركا سياسيا بالدرجة الأولى، لمعالجة ملف أموال المقاصة، باعتباره المدخل الأساس لأي حل اقتصادي مستدام.
يشار إلى أن مستحقات الموظفين تجاوزت الـ 2.5 مليار دولار، في حين تدين الحكومة للقطاع الخاص بأكثر من 1.65 مليار دولار، معظمها لصالح المستشفيات وشركات الأدوية، فيما استقر الدين الخارجي عند 1.4 مليار دولار، بالإضافة إلى متفرقات أخرى تقدَّر بـ 1.2 مليار دولار، حسب اخر الإحصاءات الرسمية.
وتحتجز إسرائيل أموال المقاصة التي وصلت إلى نحو 15 مليار شيكل منذ شهر أيار 2025، وتشكل 68% من الإيرادات العامة، فيما تعرف "المقاصة"، انها ضرائب مفروضة على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، سواء من إسرائيل أو من خلال المعابر الحدودية التي يسيطر عليها الاحتلال، ويجمعها الإحتلال، لصالح السلطة الفلسطينية.
وتصرف الحكومة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 رواتب منقوصة لموظفيها بسبب تعمّق الأزمة وتراجع الدعم الخارجي.
وكان وزير المالية إسطفان سلامة قد حذر أكثر من مرة من أن استمرار هذا الواقع المالي يضع السلطة أمام تحدٍّ وجودي، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات.