الكاتب : شادي عياد
بعد سماعي لتصريحات وزير المالية السيد اصطيفان سلامة عن “الصمود” و”المعجزة”، وجدت نفسي مضطرًا لأن أخاطبه مباشرة بلا وساطة وبلا تجميل وبلا عبارات دبلوماسية باردة. أسألك سؤالًا واحدًا بسيطًا في لفظه عميقًا في معناه:
هل جرّبت؟ هل عشت؟
هل جرّبت أن تستيقظ وأنت لا تعلم كيف ستطعم أبناءك؟
هل عشت لحظة الوقوف أمام ثلاجة فارغة تحاول أن تقنع نفسك أن الهواء قد يسدّ الرمق؟
هل جرّبت أن تعتذر لطفلك لأنك لا تملك ثمن حذائه؟
هل عشت الإذلال حين تقف أمام الصيدلية وتعيد الدواء إلى الرف لأن ما في جيبك ان كان في جيبك شيء لا يكفي؟
هل جرّبت أن تعمل شهرًا كاملًا لتقبض 60% من راتب لم يكن يكفي أصلًا ذلك لمدة تزيد على ثلاث سنين ؟
هل عشت القلق اليومي من الإيجار ومن الدَّين، ومن الطرقات المفاجئة على باب البيت؟
هل ذقت طعم الانكسار حين ترى نظرة العجز في عيون أبنائك وآبائك ؟
هل جرّبت أن تؤجّل علاجك لأن الدواء صار هو المعجزة ؟
هل عشت خوف الأب الذي لا يملك ثمن صورة أشعة لفلذة كبده ؟
هل سمعت أنين أم تؤجّل عمليتها لأن المال غير موجود؟
هل نزلت إلى الأسواق لترى كم متجرًا أُغلق وكم تاجرًا أُفلس وكم عائلة سُحقت؟
هل مشيت في الشوارع لترى آلاف المركبات غير المرخصة لأن أصحابها لا يملكون ثمن الترخيص؟
هل دخلت الصيدليات لترى حجم الديون على العمال الذين طردتهم اسرائيل؟
هل طرقت باب بيت شهيد وجلست مع أمه او زوجته او أبنائه ؟
هل نظرت في عيني زوجة أسير وهي تحاول أن تبدو قوية؟
هل وقفت في قرية تُغتصب أرضها صباح مساء من المستوطنين وأهلها لا يملكون إلا الصبر المر؟
قبل أن تحدّثنا معالي وزير المالية الموقر عن “الصمود”، وقبل أن تمنحنا دروسًا في “المعجزات”، أسألك بصدق موجع:
هل جرّبت أن تعيش يومًا واحدًا كما نعيش؟
صمود من الذي تتحدث عنه؟
صمود أصحاب المعالي؟
ام صمود من يملكون الفلل والشاليهات والبدلات الفاخرة؟
ام صمود من يحملون ثلاث جنسيات وخمس مواقع وظيفية وستة مشاريع خاصة؟
إن كان هذا هو الصمود !فنعم هو معجزة.
أما صمود الناس الحقيقيين وجيش الموظفين والعمال المطرودين فهو وجع يومي انت لا تفهمه وقهر صامت انت وزملاؤك من اصحاب المعالي لا تعرفونه وانكسار يتراكم في الصدور.
المعجزة الحقيقية ليست في إدارة العجز بل في قدرة هذا الشعب على البقاء حيًا رغم كل هذا الإذلال.
المعجزة في أم تطبخ الصبر وفي أب يخفي انكساره وفي موظف يبتلع كرامته كي لا ينهار البيت وفي مريض يؤجّل ألمه لأن المال غير موجود.
من شان الله… كفى.
كفى استخفافًا بعقول الناس.
كفى تزيينًا للبؤس على أنه بطولة.
كفى تحويل الجوع إلى إنجاز، والانكسار إلى خطاب.
هذا شعب لا يحتاج كلمات بل يحتاج عدالة وكرامة ورغيفًا بلا إذلال وأملًا بلا كذب.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال معلقًا في وجه كل مسؤول:
هل جرّبت؟ هل عشت؟