نابلس ـ واثق نيوز-تقرير : سهير سلامة- تعرضت مدينة نابلس ومحيطها، لسياسات استيطانية مكثفة تمثّلت في إقامة البؤر والمستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، والتي تخدم المستوطنين اولا واخيرا وتسهل حركتهم، وهي نموذج واضح لسياسة الاستيطان في الضفة الغربية عموما، لما لها من أبعاد سياسية وقانونية وديموغرافية ما زالت تلقي بظلالها على واقع المدينة ومستقبلها، وبخاصة بعد قيام المستوطنين بالمكوث فيما يسمى "قبر يوسف"، ليلة كاملة، وخروجهم في وضح النهار منه، والذي يعتبر سابقة خطيرة .
ويقول تيسير نصر الله عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير، ومدير مركز يافا الثقافي، في مخيم بلاطة، شرق نابلس، ردا على سؤال موقع "واثق نيوز"، على مخاوف الشارع النابلسي، من هذه الخطوة الاستباقية، والتي من شانها ان تؤدي الى بتر المنطقة، وتقطيع الاوصال، بين المخيم والمدينة، وتغيير معالمها لما يصب في مصلحة "الطريق الآمن"، حسب ادعاء سياسيي الإحتلال وزعمائه، ان المخاوف اكيدة من قيام قوات الإحتلال الإسرائيلي، بشق طرق لتأمين وصول قطعان المستوطنين، إلى ما يسمى"قبر يوسف"، بشكل آمن، فهناك استهداف واضح، وخطة إسرائيلية للسيطرة على القبر والمنطقة المحيطة فيه، وازدادت أطماع المستوطنين في الآونة الأخيرة، خاصة بعد السابع من أكتوبر عام 2023، والدعم اللامحدود من قبل حكومة نتنياهو.
ويضيف نصر الله، انه ولأول مرة منذ 25 عاماً يصلي المستوطنون صلاة الفجر، في "القبر"، في ظل تواجد مكثّف لقوات الاحتلال الإسرائيلي، واعتلاء أسطح البيوت المحيطة بالقبر، وزيادة عدد أعضاء الكنيست ومسؤولو المستوطنات، وتواجد وزراء في الحكومة الإسرائيلية، المقتحمين للقبر، ولا اعتقد أن هذا الواقع الذي يحاول فرضه المستوطنون، سيخلق واقعاً امنا لهم، خاصة مع وجود "القبر"، في منطقة اكتظاظ سكاني، ومجاور لمخيمات بلاطة، وعسكر القديم والجديد، وقرى شرق مدينة نابلس، المجاورة، مما سيؤدي إلى مواجهات دائمه ومحاور صراع وعدم استقرار.
فيما يقول الناشط في مركز مرصد الاستيطان، نصير ابو ثابت، ان اقتحامات ما يسمى "قبر يوسف"، تشكل تصعيدا خطيرا في سياق سياسة الاحتلال المتدرجة، والتي تهدف إلى فرض السيطرة على المكان ومحيطه بالكامل، مستندة إلى ذريعة دينية، تحولت عمليا إلى أداة استعمارية. فالصلاة التلمودية العلنية التي أداها مستوطنون وقادتهم، وبحماية عسكرية مشددة، تعكس محاولة واضحة لنقل الموقع من حالة الاقتحامات المؤقتة إلى مرحلة تثبيت الحضور وفرض أمر واقع جديد.
ويؤكد الناشط الحقوقي ابو ثابت، ان ما جرى، يؤسس لمرحلة أكثر خطورة، إذ إن الاحتلال دأب تاريخيا على استخدام الرمزية الدينية، كمدخل للسيطرة الميدانية، تبدأ بطقوس وصلوات، ثم تنتهي بنقاط عسكرية، وطرق خاصة، ومصادرة أراض، وتضييق ممنهج على السكان الفلسطينيين. وهذا من شأنه ان يعزز من المخاوف، والشكوك المتداولة بشأن نية الاحتلال، التواجد الدائم، في محيط ما يسمى، "قبر يوسف"، أو شق طريق خاص بالمستوطنين على حساب منازل مخيم بلاطة للاجئين، والقريب من منطقة القبر، واعتبارها ليست مبالغات ولا افتراضات، بل قراءة واقعية لتجارب سابقة، جرت في مناطق ومدن مثل القدس، والخليل، والأغوار، ومناطق متعددة من الضفة المحتلة، في ظل تصاعد واسع وانتهاكات متواصلة من قبل المستوطنين، دون وجود اي رادع حقيقي سواء على المستوى السياسي او حتى المجتمع الدولي.
ويشير ابو ثابت، الى انه وفي حال تحققت هذه المخاوف على الأرض، لا قدر الله، فإن محيط "قبر يوسف"، ومناطق عديدة منها مخيم بلاطة، سيكون أمام واقع جديد شديد القسوة، يتطلب وجود أمني دائم أو شبه دائم، وسيعني اقتحامات متكررة، وحصارا فعليا، وتهديدا مباشرا للنسيج العمراني، وسيعمل على تشكيل هجرة قسرية، وتدميرا للمنازل، وتغييرا لمعالم، وتحويل المنطقة المحيطة بالقبر إلى بؤرة احتكاك مفتوحة.
ويستطرد الخبير في مرصد الاستيطان الحقوقي، ان الأخطر في هذا السيناريو، هو محاولة تسويق فكرة، "الطريق الآمن"، لهذا "القبر" باعتبارها إجراء أمنيا، فهذه الذريعة سبق استخدامها، في أكثر من منطقة، وكانت المدخل لتكرار ما يجري اليوم في مخيمات، جنين، وطولكرم، ونور شمس، حيث تحولت الطرق والمعابر إلى أدوات لتكثيف الاقتحامات، وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة، وسيطرة دائمة، بذريعة حماية المستوطنين او حتى بحجج أمنية أخرى، مضيفا انه لا بد من التصدي لهذا المخطط، أولا بوعي فلسطيني جامع بخطورته، ورفض التعامل معه كحدث عابر أو ملف أمني مؤقت، كما يتطلب الأمر تفعيل الدور الشعبي والإعلامي، والقانوني، لفضح نوايا الاحتلال مبكرا، ومنع إفراغ الارض وتركها، وتعزيز سيادتنا في حقنا على هذه الأرض ومنعهم من تثبيت واقع جديد.
من جانبه يضيف عماد زكي رئيس لجنة خدمات مخيم بلاطة، ان هناك مخاوف جدية، وهناك تسارع بالأحداث والتصريحات، من قبل قادة الأحتلال، وأخرها تصريح وزير الحرب الأسرائيلي، يسرائيل كاتس، حيث قال : سنطبق على مخيمات الشمال ما فعلناه في جنين، وطولكرم، ونورشمس، و"قبر يوسف".
ويضيف ان الاقتحام الاخير "للقبر" ولمدة زمنية طويلة، حيث استمرت حتى ساعات الصباح، وهذه أول مرة بعد دخول السلطة الفلسطينية، عمل على شل الحركة في المنطقة المحيطة، وبخاصة المدارس القريبة، وتعطيل الدوام فيها، حيث يوجد ثلاث مدارس ملاصقة "للقبر"، وكذلك الحركة التجارية، والحياتية في المدينة، مؤكدا انه اذا تم تنفيذ ما يخطط له الإحتلال فإن الوضع سيكون كارثيا بمعنى الكلمة، بسبب المناطق السكنية المكتظة و المدارس وقرب مخيمات بلاطة وعسكر القديم، والجديد.
ويذكر زكي، انه من الصعوبة وقتها ضبط الأمور، من جميع النواحي، لأن السكان، لن يخرجوا من بيوتهم، ولن تصبح مخيمات بلاطة وعسكر، نسخة اخرى لمخيمات طولكرم وجنين، هذا أولاً، وثانيا، ستقابل كل اجراءات الاحتلال بالرفض والدفاع، من قبل المؤسسات والتظيمات، ولا يوجد أي مبرر لفعل ذلك في نابلس ومخيماتها لأن الأمن الفلسطيني، ومؤسسات المخيمات، عملت على تصويب اوضاع المخيمات، ولم يعد للاحتلال اي ذريعة يستغلها، كما فعل في غيرها.