اسرى

حِكاياتٌ عن السِّجنِ والحَرب

6 مشاهدة
حِكاياتٌ عن السِّجنِ والحَرب

الكاتب : كَمِيل أبو حُنَيش

الحَلقةُ الخامسة: قَطعُ الكهرباءِ والماءِ الساخن
مُنذُ الأيامِ الأولى لاندلاعِ الحرب، عَمَدت إداراتُ السجونِ الصهيونيةُ إلى اتّخاذِ مجموعةٍ من الإجراءاتِ المشارِ إليها في الحلقاتِ السابقة، ومن أهمِّ هذه الإجراءاتِ قَطعُ الكهرباءِ والماءِ الساخنِ عن الغرفِ التي يُحتجزُ بها الأسرى، وهو إجراءٌ جديدٌ لم يُتَّخذ في السجونِ منذُ العام 1967، على الأقل، إلا في حالاتٍ نادرةٍ واستثنائية، وخاصةً أنَّ هذا الإجراءَ تحوّلَ إلى سياسةٍ ثابتةٍ شملتْ كافّةَ السجونِ التي يتواجدُ بها الأسرى الفلسطينيون.
وكان يجري إعادةُ الكهرباءِ لمدةِ ساعةٍ فقط، عندَ الساعةِ السادسةِ مساءً، علمًا أنَّ هذه الساعةَ كانت مقتصرةً على إشعالِ المصباحِ الكهربائيِّ لكلِّ غرفة، مع فصلِ الكهرباءِ نهائيًا عن الأباريزِ داخلَ الغرف، مع أنَّ الإدارةَ صادرتْ كافّةَ الأجهزةِ الكهربائيةِ (بلاطات، لمبات، ماكينات حلاقة، أجهزة راديو، أجهزة تلفاز... إلخ). أمّا الماءُ الساخن، فقد سُمِحَ به لساعةٍ واحدةٍ عندَ الساعةِ الثامنةِ مساءً.
وقد تمكّنَ الأسرى في كافّةِ السجونِ من إخفاءِ بعضِ أجهزةِ الراديو والهواتف، لمتابعةِ ما يجري خارجَ السجون. وقد استمرّتْ هذه الأجهزةُ بحوزتِنا بضعةَ أشهر، قبلَ أن تتمكّنَ الإدارةُ من وضعِ اليدِ عليها ومصادرتِها عبرَ المداهماتِ اليوميةِ والتفتيشِ الهمجي. ومع ذلك، تمكّنتْ بعضُ الغرفِ من إخفاءِ أجهزتِها جيدًا وصمدتْ لعدّةِ شهور. ولكنَّ المعضلةَ الحقيقيةَ تمثّلتْ في كيفيةِ شحنِ البطارياتِ الخاصّةِ بهذه الأجهزةِ في ظلِّ انقطاعِ الكهرباءِ عن الغرف.
ولحلِّ هذه المعضلة، كنّا نحتفظُ بكميةٍ من البطارياتِ الصغيرةِ القابلةِ للشحن، وكنّا نستغلُّ ساعةَ إعادةِ الكهرباءِ في المساءِ، ثمَّ نُسارعُ إلى استخراجِ سلكٍ كهربائيٍّ من مصباحِ الحمّام، وإعادةِ شحنِ البطارياتِ بطريقةٍ بدائيةٍ مبتكرة، كان يتولّى أمرَها بعضُ الشبابِ المتخصّصين. وكانت تجري عمليةُ مراقبةٍ دقيقةٍ طوالَ الساعةِ لحركةِ السجّانين، الذين كانوا يواصلونَ مراقبةَ الغرفِ كلَّ بضعِ دقائق. وكانت هذه الساعةُ الذهبيةُ لعودةِ الكهرباءِ بالكادِ تكفي لشحنِ بضعة بطارياتٍ صغيرةٍ للراديو والهاتف، ممّا اضطرّنا إلى تقليصِ وقتِ المكالمةِ الهاتفية، واقتصارِها على دقيقتينِ أو ثلاثٍ لكلِّ أسير. أمّا أجهزةُ الراديو الترانزستور، فقد اقتصرَ استخدامُها على مذياعٍ واحدٍ فقط، يجري تشغيلُه في أوقاتٍ متباعدةٍ للاستماعِ إلى نشراتِ الأخبار، مع مواصلةِ مراقبةِ حركةِ السجّانين طوالَ الوقت.
لقد شنّتِ الإدارةُ حربًا شعواءَ على هذه الأجهزة، وتكثّفتْ عملياتُ مداهمةِ الغرفِ في الليلِ والنهار، وتمكّنتِ الإدارةُ من ضبطِها بالتدريج، وابتكرتْ عقوبةً غيرَ مسبوقةٍ بحقِّ الغرفِ التي يتمُّ العثورُ بداخلِها على راديو أو هاتفٍ خلوي، بأن تُجبرَ الأسرى على إخراجِ الفرشاتِ والأغطيةِ والثيابِ خارجَ الغرفةِ لمدةِ 24 ساعة، ممّا يضطرُّهم للنومِ على حديدِ الأبراشِ أو على الأرضِ الباردة. وهو ما خلقَ معاناةً كبيرة، بعدَ أن تحوّلَ هذا الإجراءُ إلى سياسةٍ ثابتةٍ وعقوبةٍ دائمةٍ للأسرى بسببٍ أو بدونِ سبب.
أمّا المياهُ الساخنةُ التي جرى قطعُها عن الغرفِ والسماحُ بها لساعةٍ واحدة، فهي بالكادِ تكفي للأسرى الذين باتتْ تكتظُّ بهم الغرفُ مع الوقت، في ظلِّ اتّساعِ نطاقِ الاعتقالاتِ في الخارج، بحيث باتتِ الغرفُ التي تتّسعُ لستّةِ أسرى، يُزجُّ بستّةٍ آخرينَ فيها، ليصبحَ العددُ 12 أسيرًا. وإذا ما قسّمنا الساعةَ على هذا العدد، فهي بالكادِ تكفي الأسيرَ ثلاثَ دقائق، ممّا اضطرّنا إلى تقسيمِ الدورِ للاستحمامِ خلالَ يومينِ أو ثلاثة.
أمّا الأقسامُ التي كانت الحمّاماتُ فيها خارجية، وليست داخلَ الغرف، فكانت الإدارةُ تقومُ بإخراجِ ثلاثِ غرف، يتواجدُ فيها 36 أسيرًا، لمدةِ 15 دقيقةً وحسب، وعليهم أن يتدبّروا أمرَهم مع ستّةِ دوشّاتٍ فقط، ممّا حرمَ الكثيرَ من الأسرى من فرصةِ الاستحمام، وهو ما كان يضطرُّنا للاستحمامِ بالماءِ الباردِ داخلَ الغرفِ في فصلِ الشتاءِ القارس.
وقد تبجّحَ الوزيرُ الفاشيُّ بن غفير بأنَّ الدولةَ باتت توفّرُ مبالغَ طائلة، تُقدَّرُ بعشراتِ ملايينِ الشواكلِ كلَّ شهر، بسببِ تقليصِ الطعامِ والكهرباءِ والماءِ.
لقد ولّدتْ هذه السياساتُ معاناةً مستمرّةً لدى الأسرى، وفي بعضِ السجون، كالنقب، كانت تجري عمليّةُ قطعِ الماءِ الباردِ أيضًا، واقتصارُها على ساعتينِ أو ثلاث. فقد كنّا نتناولُ طعامَنا على العتمة، وكذلك كنّا ندخلُ دوراتِ المياهِ في الليلِ من دونِ أيّةِ إضاءة. ونتيجةَ لعدمِ توفّرِ المياهِ الساخنةِ اللازمةِ للاستحمامِ اليومي، إلى جانبِ قلّةِ موادِّ التنظيف، واكتظاظِ الغرف، ومنعِ الخروجِ إلى ساحةِ الفورة، وعدمِ السماحِ بغسلِ الثيابِ الشحيحةِ أصلًا، ساهمَ كلُّ ذلكَ في انتشارِ الأمراضِ الجلديّة، كالجَرَبِ والدماملِ والحساسيّةِ وغيرها، وهو ما سنعالِجُه في الحلقةِ القادمة.