الكاتب :وليد الهودلي
نعق ناعق السجن بصوته الصباحي المشؤوم :
إسلام حامد "بوسطة شاباك" (وهذه تعني مقابلة مخابرات).
"أن تستقبل صباحك بهذا الخبر يعني كأن جبلاً أُلقي عليك أو صخرةً كبيرة ربصت على صدرك. تأتيك ذكرياتك الجميلة عن البوسطة وعذاباتها من كل جانب! ستخرج من الجحيم الذي أنت فيه إلى جحيم السفر في درب الآلام، سفر طويل طويل تتقطّع به الأنفاس وتتهتّك به الأعصاب. تذوي الروح في متاهات التنكيل وصنوف التعذيب التي تتفتّق من كائنات عصابة فرقة "النحشون" التي تتقن فنون قهر العباد أيما إتقان.
دقائق ثم تفتح طاقة مزروعة أسفل باب الزنزانة، فيخرج الأسير، تُقيّد يديه بقيدٍ على معصميه ثم يُغلق الباب. يجرّه شرطي فظ ليضرب قيدًا آخر على قدميه، يُعصّب على عينيه ويجرّ خارج القسم؛ كلّما تعثّر جاءته صفعة أو ركلة لتقوّم مساره، ويتكفّل شرطي بالمحافظة على أن يكون رأسه مطأطأً إلى الأسفل مع انحناء جسمه بصورة مهينة نحو قدميه.
أسيرنا إسلام المحكوم بالمؤبد، وله في السجن ما يزيد على ربع قرن؛ من ناحيته لا يعتبر هذه الرحلة تغييرًا من نمط الروتين القاتل الذي يعيشه في زنزانته. هذه رحلة يمقتها ولا تعني له إلا مزيدًا من العذاب؛ رغم أن عزله عن السجن منذ بداية الحرب على غزة كان ظلمًا وزورًا بسبب اتهامه بالتحريض. هو بطبيعته دائم الابتسامة، له حضور طيب في نفوس الأسرى، اعتبروا ابتسامته تحريضًا. رغم بيئة العذاب الشديد التي فرضوها في السجون، بهذه التهمة العظيمة قرّروا عزله عن الأسرى عزلاً انفرادياً ليتجرع عذابات السجن أضعافًا مضاعفة.
ساعتان في القفص بانتظار الرحلة الفظيعة التي تقلّهم بهودجها الحديدي؛ ناقلة لا ترى إلا الحديد ووجوه "النحشون" الحديدية الصلدة. إسلام ضرب كلّ الأخماس في الأَسْداس محاولًا أن يصل إلى ما تريده المخابرات: هل هناك معلومات جديدة وصلتهم عن نشاط لم يُكشف عنه قبل حبسه؟ لقد أغلق الملفّ وحكم على ما وصلوا إليه من أعماله الجهاديّة، ألبسوه حكم المؤبّد الذي لا نهاية له إلا بالموت في السجن أو صفقة تبادل. هل يريدون مساومته على أمر ما؟ أم أنهم، تراهُم، سوف يتشفون بعزله أو يهدّدونه بالمزيد من العذاب والتشنيع؟
وصلت البوسطة، فتحوا باب القفص، نعقوا بأسماء المحظوظين بهذه الرحلة "السعيدة"! كلّ من يسمع اسمه يتلوّن وجهه كمن يُساق إلى المشنقة؛ يجرّ قدميه ليجد نفسه أمام كائن حديدي يفتشه بعنف ثم يحيله إلى زبانية البوسطة ليدفع إليه كبضاعة أو متاع لا قيمة له: كومة قش أو كيس تبن. هكذا تخيّل إسلام نفسه وهو يلج هذا الصندوق الحديدي، لا يدري أيّهم أشدّ قسوة: حديد البوسطة أم قلوب هؤلاء "النحشون"؟ يتم اختيارهم على فرّازة تفرز الأشد فظاظة والأعظم قذارة.
نفضت البوسطة عن الحديد صمتها، ونفرت تشخر لتعب طريقها بقسوةٍ تنعكس على البضاعة البشرية التي بداخلها: قسوةً وشماتة وغيظا. تقلّب ما في المعدة من طعام قليل بائت وبائس؛ تزيغ الأبصار وتفور حموضة المعدة وتصفرّ الوجوه، ويضرب السؤال الأساس في قعر عقل إسلام: ماذا يريد مني هذا "الشاباك"؟
بعد قرابة ساعة وقفت أمام سجن جلبوع لتستلم بضاعتها البشرية من هناك؛ قرابة ساعة ثم تنطلق بالوجوه الشاحبة إلى "سجن هدريم" شمالا. مزيد من البضاعة، وإسلام يرقب الوجوه الجديدة الصاعدة إلى البوسطة، علّه يصادف أحدًا من معارفه. آثار التنكيل تبدو على الوجوه؛ الغضب وقهر الرجال سيد الموقف على هذه الوجوه الكالحة.
مساءً وصلت "المحروسة" ما يُسمّى "معبار الرملة". سحلوا البضاعة البشرية من البوسطة بمزيد من الصفعات والدفع والركل؛ تفتيش عاري ثم جرّ إلى زنازين عارية لا أثاث فيها ولا غطاء ولا طعام، فقط أسرّة حديدية ومرحاض شامت بوضع قذر يضطر الأسرى لتفريغ مثانتهم فيه وتنفيس ما فيها من ضغط قاتل.
لم يقدّموا أيّ شيء يسمّى طعامًا؛ الوجبة الأساسية تنكيل وضرب، تكسير لمن يرفع رأسه. وهناك وجبة إضافية: البرد الشديد رغم أن الخريف لم يستدعِ الشتاء بعد. تكوّم الشباب على بعضهم في أحد زوايا الزنزانة يلتمسون دفئًا أو فرصة لساعة نوم تريحهم قليلًا من ضنك سفرهم اللئيم.
صباحًا سيُساقون إلى أقفاص "معبار الرملة" حيث يُحشر المعذّبون وتُجّهّزهم لقوافل البوسطات العتيدة؛ كلٌّ إلى مقصده: محكمة أو نقل إلى سجن آخر أو مقابلة هذا "الشاباك العظيم!"
ومن الأقفاص دفعوا بإسلام إلى هودج البوسطة من جديد، وطارت بهم إلى حيث سجن "عوفر" المقام على أرض مغتصبة قرب رام الله على أراضي مدينة بيتونيا؛ تفتيش ثم قفص من جديد. وكانت شمس الخريف الصباحية تبدّد بقايا البرد والبرودة التي خزّنتها الليلة الماضية.
عصرًا لعلع اسمه في ذاك الفضاء الملبّد بالحقد وروح الانتقام؛ دفعوه إلى مكان للتفتيش العاري المهين، ومن تلك اللحظة التي ينفصل هذا الإنسان بها عن روحه العزيزة الكريمة، جعلوه محطّ ترّهاتهم وتعقيداتهم النفسية البغيضة. من هناك إلى غرفة زاهية يتباهى فيها شابّ من عالم آخر. نظر إلى إسلام نظرةً طويلة ضخّت ما فيها من كبرياء وغطرسة، ثم نعق:
· أنت في عزلك لا تسمع آخر الأخبار. ستستمع لها مني مباشرة؛ ماذا تتوقّع؟ أخبارًا جديدة طازجة؟
· ………
· لا تتوقّع شيئًا؟
· ………
· حسنًا، ماذا عن الصفقة؟
· ………
· لقد تمت الصفقة. أنتم في السجون باقون معنا. لقد باعوكم جماعتكم.
ارتفع الأدرينالين ودفع بكل قوته؛ ليس لأثر الخبر ووقعه في قلبه، وإنما لحجم الإغاظة التي ينبغي لإسلام أن يردّها على هذا الذي يبدع بهذه الطريقة الماجنة.
ابتسم إسلام ابتسامته العذبة، بكل هدوء وتلذّذ، هيأ نفسه لإلقاء كلمات صاعقة حارقة تقذف حمم الغيظ، هتف:
· نحن لا نرجو ولا ننتظر إلا أمر الله؛ كما لا ينزل المطر إلا بأمر الله، لا يأتي الفرج إلا بأمره.
قطب "الشاباك" جبينه وزعق :
· "خذوه عن وجهي! انقلع! روح خمّج في السجن".
· الحمد لله على كلّ حال؛ نحن لها، طالت أم قصرت الفرج سيأتي بإذن الله.
غمز "الشاباك" الجنود للكيل له المزيد من التنكيل والتعذيب.



