الكاتب : مصطفى فهمي
في خضم عالم متقلب وسريع التغير، تنتهج الصين نهجًا بعيدًا عن الصدامات المباشرة مع الولايات المتحدة، مفضلةً ما يُعرف بـ"الحرب الرمادية" – وهي إستراتيجية تعتمد على أدوات اقتصادية وتقنية وسياسية لتقويض الخصوم تدريجيًا دون إطلاق رصاصة واحدة.
تُدار هذه الأدوات بدقة من خلف الستار، ما بين استنزاف هادئ للخصم، وصدمات مفاجئة تُربك دون سابق إنذار. ويُشبّه بعض المراقبين النفوذ الأميركي بإعصار عابر، في حين يرون في الصين قوة مناخية ثابتة، تغيّر الملامح ببطء ولكن بثبات.
ومع صعودها على الساحة الدولية، لم تعد العلاقة بين بكين وواشنطن مجرد تنافس تقليدي، بل تحوّلت إلى مواجهة ناعمة لإعادة تشكيل النظام العالمي، تدفع فيه الصين نحو تعددية قطبية تقودها بثبات وحذر.
في هذا التقرير، نرصد أبرز الأدوات التي تعتمدها الصين في معركتها الصامتة مع الولايات المتحدة:
1. زعزعة الاستقرار الاقتصادي الأميركي
تعتمد بكين على إجراءات اقتصادية تُحدث اضطرابات داخلية في الاقتصاد الأميركي، كفرض رسوم مضادة، وتقييد صادرات المواد الأولية، أو تعديل الأسعار بما يرفع تكاليف التصنيع والاستهلاك في السوق الأميركية. هذه السياسة تُلقي بظلالها على التضخم وأسعار الفائدة، وتُضعف الشركات والاقتصاد الأميركي من الداخل.
2. هيمنة المعادن النادرة
تمتلك الصين نحو 80% من إنتاج المعادن النادرة الضرورية لصناعات التكنولوجيا والدفاع، مثل الرقائق الدقيقة والبطاريات. هذه الهيمنة تُستخدم كورقة ضغط فعالة، خاصة أن بدائل واشنطن تحتاج وقتًا وكلفة مرتفعة لتطويرها.
3. تفكيك هيمنة الدولار
بدل المواجهة المباشرة، تعمل الصين على تقليص الاعتماد العالمي على الدولار من خلال توقيع اتفاقيات باليوان، وتأسيس بنوك مقاصة، والترويج لعملتها في التجارة الدولية، بما فيها مشاريع "الحزام والطريق". هذا النهج يهدف إلى تقويض سطوة الدولار على المدى الطويل.
4. السندات الأميركية: سلاح غير معلن
تحتفظ بكين بحوالي 750 مليار دولار من السندات الأميركية، وتلوّح بها كأداة ضغط غير مباشرة. مجرد التلويح ببيع تدريجي قد يُربك الأسواق المالية ويرفع كلفة الدين الأميركي.
5. عرقلة الشركات الأميركية في الصين
تعتمد بكين سياسات تنظيمية غير متوقعة تجاه الشركات الأميركية، كفرض ضرائب مفاجئة، أو إبطاء التراخيص، أو فتح تحقيقات مفاجئة، مما يُضعف الثقة ويُربك أداء تلك الشركات ويؤثر على أسهمها في البورصات العالمية.
6. التحكم في سوق الأدوية
تُهيمن الصين على نسبة كبيرة من المواد الفعالة التي تعتمد عليها الصناعة الدوائية الأميركية، سواء بشكل مباشر أو عبر الهند. أي خلل في هذه السلسلة قد يؤدي إلى نقص في الأدوية ورفع أسعارها داخل الولايات المتحدة.
7. الغذاء كورقة ضغط
بلغت واردات الصين من المنتجات الزراعية الأميركية 25 مليار دولار في 2024. بإمكان بكين بسهولة تقليل هذه الواردات أو فرض تعريفات عليها، ما يُربك المزارعين الأميركيين ويضغط على صناع القرار، خصوصًا في الولايات ذات الطابع الزراعي.
8. الأدوات الناعمة والتكنولوجية
قدّمت الصين بدائل تقنية وتمويلية للدول النامية تشمل البنى التحتية، الأقمار الصناعية، والتمويل منخفض التكلفة. كما أنشأت مراكز ثقافية وتربوية تُروج لرؤيتها كشريك تنموي في مقابل النهج الأميركي المتشدد.
9. تايوان وبحر الصين الجنوبي
تُبقي بكين ملف تايوان والمياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي كورقة ضغط دائمة، تضع واشنطن أمام معادلة صعبة: التصعيد مع احتمال اندلاع نزاع عسكري، أو التراجع بما يحمله من خسائر في المكانة الدولية.
10. السياحة الصينية: أداة ضغط صامتة
تُعد السياحة الصينية مصدر دخل كبير للولايات المتحدة، تصل مساهمتها إلى نحو 20 مليار دولار سنويًا. أي تقليص في أعداد السياح الصينيين يُلحق خسائر بالقطاعات المرتبطة من فنادق ونقل وأسواق تجزئة، دون حاجة لأي صخب سياسي.
في تسجيل نادر بثّته الخارجية الصينية مؤخرًا، قال الزعيم ماو تسي تونغ عام 1953: "سنقاتل حتى ننتصر تمامًا". اليوم، تُطبق الصين هذه المقولة، لكن بأدوات حديثة: الاقتصاد، التكنولوجيا، والدبلوماسية.
وفيما تنشغل واشنطن بصراعات فرعية، استثمرت بكين في ترسيخ أدواتها، وها هي الآن تُعيد رسم المشهد العالمي بهدوء، وبكفاءة تفرض الاحترام – وربما القلق.