دمشق - عبد الله السعد - تشهد جمعية قرى الأطفال SOS سورية اضطرابات واسعة بعد إعلانها تسريح معظم موظفيها وإجراء تعديلات هيكلية واسعة، في ظل تداعيات قضية الأطفال المغيبين قسرياً التي طاولت عدداً من دور الرعاية التابعة لها. وفي بيان رسمي، أكدت إدارة الجمعية أنها لم تتوقف عن العمل كلياً، بل تنفذ خطة لإعادة الهيكلة بعد قرار إحدى الجهات المانحة الانسحاب التدريجي من التمويل، مشيرةً إلى أن هذا القرار "لا يعني بأي حال من الأحوال توقف الجمعية عن أداء رسالتها الإنسانية". مشيرة إلى أن "الرسائل الموجهة للموظفين جاءت ضمن سياسات تعزيز الشفافية ومشاركة القرار، وتشكل جزءاً من خطة إعادة الهيكلة المزمع تنفيذها بنهاية عام 2025".
وأوضحت إدارة الجمعية في اتصال هاتفي لـ"العربي الجديد" أن التسريحات الأخيرة تأتي ضمن خطة لتقليص النفقات وتحسين الكفاءة التشغيلية، مع الإبقاء على عدد محدود من العاملين لتسيير الأمور الإدارية والمالية ومتابعة ملفات الأطفال.
وكانت الجمعية قد أعلنت في الأول من مايو/أيار استقالة سمر دعبول، رئيسة مجلس الإدارة السابقة، ضمن جهودها لضمان حيادية التحقيقات الداخلية المتعلقة بالأطفال المغيّبين قسرياً، كما قرر مجلس إدارتها في 29 يوليو/تموز وقف المدير الوطني سامر خدام مؤقتاً عن العمل، وتكليف محمد فاتح العباسي بمهامه لحين انتهاء التحقيقات القضائية، وهو ما تم إبلاغ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في دمشق به رسمياً.
وأكدت الجمعية أنها تتعاون بشكل كامل مع السلطات القضائية، حيث وضعت جميع وثائقها ومستنداتها تحت تصرف الجهات المختصة، وقدّمت، بالتشاور مع المنظمة الدولية، طلب استدعاء رسمي إلى النيابة العامة في دمشق في يناير/كانون الثاني الماضي، للمطالبة بالتحقيق في ملفات الأطفال المغيبين والمساعدة على كشف مصيرهم.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن برامج الجمعية في سورية تقدّم الرعاية المباشرة لنحو 200 طفل وشاب يعيشون في مراكزها، إلى جانب دعم حوالي 230 عائلة من خلال برامج التأهيل الاجتماعي والاقتصادي. وعلى مدى سنوات، استجابت الجمعية لمئات الأطفال ضمن برامج الطوارئ، حيث أظهر تقرير سابق أنها وصلت إلى أكثر من 88 ألف طفل متضرر منذ اندلاع النزاع السوري، سواء عبر توفير مأوى آمن أو دعم نفسي أو فرص تعليمية.
وتقول سوسن العبد، وهي موظفة سابقة في الجمعية، لـ"العربي الجديد"، إن رسائل إنهاء العقود وصلت بشكل مفاجئ إلى معظم العاملين، رغم وعود سابقة بالإبقاء على الكوادر الأساسية حتى انتهاء التحقيقات. وتضيف: "عملت في الجمعية أكثر من عشر سنوات، ولم نكن نتوقع أن نتوقف فجأة. نحن كنا نرى الأطفال يكبرون أمامنا، ونعرف أن كثيرين منهم لا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه." وتتابع أن الكثير من البرامج كانت تعتمد على تمويل خارجي، ولا توجد مؤسسات محلية قادرة على التعويض أو تقديم الخدمات بالقدرات نفسها، ما سيؤثر مباشرة في الأطفال المستفيدين والأسر الفقيرة التي تعتمد على دعم الجمعية في التعليم والمأوى والرعاية الصحية.
ويأتي هذا في وقت تعمل فيه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، برئاسة الوزيرة هند قبوات، على لجنة خاصة لمتابعة مصير آلاف الأطفال المفقودين، تضم ممثلين عن وزارات الشؤون والداخلية والعدل والأوقاف. وقال مصدر مسؤول من اللجنة لـ"العربي الجديد" إن اللجنة تعمل "وفق توجيه مباشر من النائب العام لملاحقة جميع المسؤولين والمتورطين في ملف إخفاء الأطفال خلال عهد النظام السابق"، موضحاً أن التحقيقات تتطلب مراجعة آلاف الملفات القديمة ومقابلة عشرات الأطفال الذين نجوا من الإخفاء، مؤكداً أن "كل معلومة مهما كانت صغيرة قد تكون مفتاحاً لإعادة طفل إلى عائلته أو لمعرفة الحقيقة كاملة".
ووفق مصادر قضائية، فإن عدد القضايا المفتوحة حالياً يتجاوز 500 ملف لطفل مفقود، مع احتمال فرض عقوبات تصل إلى 15 سنة سجناً، إلى جانب الغرامات والفصل من الوظيفة، وتحميل المسؤولين المدنيين والإداريين تبعات قانونية فردية عن كل حالة. وتعمل اللجنة على إعداد قاعدة بيانات دقيقة بأسماء الأطفال المفقودين، تمهيداً لاعتمادها مرجعاً رسمياً لإعادة الحقوق إلى ذويهم وتعويض الأضرار التي لحقت بهم.
ويرى المحامي والخبير القانوني ربيع الشايب أن ترخيص الجمعية "قد يُلغى في حال ثبت تورط إدارتها أو كوادرها في قضايا جنائية أو مخالفات قانونية جسيمة"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "القانون السوري يجيز لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعليق الترخيص أو حله بشكل نهائي إذا تعارض نشاط الجمعية مع أهدافها الإنسانية أو خالفت شروط التمويل المعلن عنها". لكنه شدد على أن "مجرد التحقيق أو إعادة الهيكلة لا يُعد سبباً كافياً لإلغاء الترخيص ما لم تصدر أحكام قضائية قطعية".
ويرى مختصون في العمل الإنساني أن تقليص أو توقف أنشطة الجمعية سيترك فراغاً كبيراً في برامج الرعاية الاجتماعية، نظراً إلى اعتماد معظم هذه البرامج على التمويل الخارجي المقدم من الجهات المانحة والمنظمات الدولية، في ظل ضعف المؤسسات المحلية وغياب البدائل القادرة على تقديم خدمات مماثلة للأطفال والأيتام المتضررين من الحرب.
وتعمل جمعية SOS الدولية في أكثر من 137 دولة وإقليماً، وتؤكد أن نشاطها في سورية "لا ينحاز إلى أي كيانات أو أنظمة سياسية"، وأن هدفها الأسمى هو حماية الأطفال وضمان حقوقهم الأساسية، رغم التحديات والضغوط المستمرة الناجمة عن التحقيقات المتعلقة بالأطفال المغيبين قسرياً.



