آراء

انصفوا الكادر قبل فوات الأوان .. نحو مراجعة فتحاوية مسؤولة وشراكة حقيقية وتصحيح للمسار

19 مشاهدة
انصفوا الكادر قبل فوات الأوان .. نحو مراجعة فتحاوية مسؤولة وشراكة حقيقية وتصحيح للمسار

الكاتب : حمدي الرجبي  

في هذه المرحلة الوطنية والتنظيمية المفصلية، وفي ظل ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من مخاطر الاحتلال، ومحاولات فرض السيطرة الكاملة على مناطق (ج)، والتدخلات المتواصلة في مناطق (أ)، وما تواجهه القدس من استهداف متواصل، لا يجوز أن تنشغل حركة فتح بخلافاتها الداخلية وحساباتها التنظيمية، وكأن الوطن ينتظر نتائج هذه الخلافات.

نحن أمام مرحلة بالغة الخطورة، وفتح مطالبة اليوم باستعادة دورها ومكانتها وثقة شعبها وكادرها. غير أن ذلك لن يتحقق بالشعارات، أو بتكرار الأدوات ذاتها، أو بإعادة إنتاج الأشخاص والآليات التي أسهمت في الوصول إلى الوضع الراهن. فالمرحلة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وشجاعة أكبر في الاعتراف بالأخطاء ومعالجتها.

إن اجتماع المجلس التنظيمي الأخير يجب ألا يكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل فرصة حقيقية لمراجعة التجربة السابقة وفتح صفحة جديدة. فقد شعر البعض، خلال النقاشات، وكأن السنوات الماضية لم تكن موجودة، وكأن ما جرى في انتخابات الأقاليم وتشكيل عضوية المؤتمر الثامن لم يحدث، وكأن كوادر بأكملها لم تُقصَ، وأسماء ذات تاريخ طويل لم تُستبعد، وأشخاصًا لم تكن لهم صلة حقيقية بمراكز القرار التنظيمي لم يتقدموا فجأة إلى مواقع متقدمة.

لا يمكن التعامل مع هذه الوقائع بهذه البساطة، ولا يمكن مطالبة الكادر بأن يتجاوز كل ما جرى وكأنه لم يكن. ومع ذلك، لا ضير من أن نمنح أنفسنا جميعًا فرصة جديدة، لعلها تكون فرصة للمراجعة والتصحيح ولمّ الشمل.

نحن لا ندعو إلى الانتقام من أحد، ولا نسعى إلى إقصاء أحد، وإنما نرفض أن يُطلب ممن تعرضوا للظلم أن يتجاهلوا حقوقهم، أو ممن أُقصوا أن يقبلوا بالأمر الواقع، أو من الكادر أن يدفع الثمن مرة أخرى تحت عنوان الوحدة التنظيمية.

فالوحدة لا تعني طمس المظالم، ولا إسكات المتضررين، ولا احتكار القرار. والوحدة الحقيقية تبدأ بالإنصاف. والقرار اليوم لدى أصحاب القرار، والفرصة ما زالت سانحة لملمة أوراقنا الداخلية، والمبادرة مطلوبة من الجميع.

لقد تركت طريقة تشكيل عضوية المؤتمر الثامن أثرًا عميقًا لدى قطاع واسع من أبناء الحركة. ومن حق هؤلاء أن يتساءلوا: من اتخذ القرار؟ ومن وضع المعايير؟ ومن اختار؟ ومن استُبعد؟ ولماذا؟ ولصالح من جرى ذلك؟

لا يمكن بناء مرحلة جديدة على أخطاء لم تُعالج، ولا مطالبة الكادر بالثقة ذاتها في ظل عودة الآليات ذاتها لتحديد مستقبله. ومن أخطأ في الماضي يستطيع أن يصحح في الحاضر، وهذا ليس عيبًا، بل مسؤولية. أما تكرار الخطأ ثم مطالبة الآخرين بقبول نتائجه، فذلك ما يجب أن نتجاوزه.

وكان من الممكن، بل من الضروري، أن تكون هناك مبادرة صادقة لفتح حوار جدي بين مختلف مكونات الحركة، بما يساهم في تقريب وجهات النظر واستعادة الثقة ولمّ الشمل.

فتح ملك لتاريخها وكادرها ..
ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: فتح ليست ملكًا للجنة مركزية، ولا للمجلس الثوري، ولا لإقليم، ولا لقيادي، ولا لعائلة، ولا لمجموعة أو تيار أو دائرة مصالح. فتح ملك لتاريخ شعبنا، ولتضحيات شهدائنا، ولنضال كوادرها ومناضليها، ولذلك فإن القرار فيها يجب أن يقوم على الشراكة، لا الوصاية.

وإذا كان صوت المواطن في الانتخابات الرئاسية والتشريعية أساسًا في تحديد الشرعية الشعبية، فلا يجوز أن يشعر الفتحاوي بأن صوته داخل حركته أقل قيمة من صوت أي شخص آخر.بل على العكس، نحن أبناء حركة واحدة، ولا يجوز أن تتحول التراتبية التنظيمية إلى تمييز في الكرامة أو الحقوق.

كما لا يجوز أن تبقى ملفات من صدر بحقهم قرار فصل معلقة، خصوصًا بعد صدور قرارات بإعادتهم. نحن بحاجة إلى هؤلاء المناضلين، وإلى خبراتهم وحضورهم وقواعدهم لخوض المرحلة المقبلة. إنهم قادة نعتز بهم ونفتخر بتاريخهم، والمرحلة بحاجة إلى جمع الطاقات لا إلى تبديدها.

القائمة الانتخابية ليست مجرد أرقام ..
أما بخصوص القائمة الانتخابية، فلا ينبغي إعادة التجربة السابقة بالآليات ذاتها.إن ترك ترتيب القائمة للجنة المركزية وحدها، وفق رؤيتها الخاصة، أو وفق توصيات تنظيمية مختلف عليها أصلًا، لا يبدو مناسبًا للانتخابات التشريعية العامة. فالانتخابات العامة تختلف في طبيعتها وحساباتها عن الانتخابات الداخلية، وما يصلح للأخيرة ليس بالضرورة صالحًا للأولى.

القضية ليست مجرد ترتيب أسماء، وإنما تتعلق بكرامة الكادر وثقته بحركته، وبقدرة القائمة على استقطاب أبناء فتح والمستقلين والشارع الفلسطيني. ومن حق أبناء فتح أن يعرفوا الأسس التي يتم على أساسها اختيار المرشحين وترتيبهم.

لماذا يحصل شخص على المرتبة الأولى، وآخر على المرتبة العاشرة، وثالث على المرتبة الثلاثين؟ هل المعيار هو الاعتقال؟ أم التاريخ النضالي؟ أم الكفاءة؟ أم الحضور الشعبي؟ أم القدرة على تمثيل الحركة تحت قبة البرلمان؟ أم العشائرية؟ أم توجد معايير أخرى غير معلنة؟

إذا كانت هذه قائمة فتح، فيجب أن تضم شخصيات قوية وقادرة على خوض المرحلة المقبلة، وأن تستند إلى معايير فتحاوية ووطنية واضحة، لا إلى اعتبارات شخصية أو حسابات ضيقة.

ولا يمكن أن يكون معيار التقدم في القائمة هو ضمان نجاح شخص بعينه أو قربه من بعض أصحاب القرار. فإذا أردنا النجاح فعلينا أن نكون مستعدين للتضحية بالمواقع من أجل مصلحة الحركة ووحدتها ومستقبلها.

وهذه المرة تحديدًا، فإن التضحية بالمواقع من أجل الوحدة مطلوبة ممن استفادوا من مواقعهم ودوائر علاقاتهم خلال المرحلة السابقة، على حساب كوادر تعرضت للاستبعاد والتهميش.

الكادر ليس صوتًا انتخابيًا موسميًا ..
لقد عوّل البعض طويلًا على أخلاق الكادر، وانضباطه، وصمته، وخشيته من الانقسام، وحرصه على الحركة. وكان المناضل يقول: "من أجل الحركة نصمت." ولكن ماذا كانت النتيجة؟

تراجع حضور بعض المناضلين، وتقدم من لم يكن بالضرورة أكثر استحقاقًا منهم، مع التأكيد أن هذا لا ينطبق على الجميع، فهناك مناضلون حقيقيون لا تزال جهودهم مقدرة ومحترمة.

إن صمت الكادر حفاظًا على فتح لا يعني تخليه عن حقوقه، والانضباط التنظيمي لا يعني إلغاء الكرامة، والوفاء للحركة لا يعني قبول استبدال المناضل بمن هو أقل تاريخًا أو استحقاقًا. ومن المؤلم أن من أُقصوا أو هُمّشوا أو جرى تجاهلهم عند صناعة القرار أصبحوا اليوم موضع طلب واستدعاء.

تبحثون عنهم، وتحتاجون إلى حضورهم وأصواتهم وقواعدهم، وتريدونهم في الشوارع والقرى والمخيمات، وتريدونهم في المعركة الانتخابية.

لكن السؤال المشروع هو: وماذا بعد الانتخابات؟ هل ستعود الأمور إلى ما كانت عليه؟ هل ستستمر آليات اتخاذ القرار ذاتها؟ وهل سيعود الكادر إلى الهامش بعد انتهاء الحاجة إليه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلا تتوقعوا من الكادر قبول الدور نفسه مرة أخرى. أما إذا كانت هناك نية صادقة لبداية جديدة، فإن الفرصة اليوم سانحة.

نريد شراكة قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، لا استدعاءً موسميًا للمناضلين عند الحاجة إلى أصواتهم، ثم تهميشهم بعد انتهاء الحاجة.

المسؤولية تقتضي إنصاف أصحاب الكفاءة ..
إلى من سيتولى مسؤولية ترتيب القائمة: تحلّوا بالمسؤولية. لا تختبروا صبر الناس أكثر، ولا تراهنوا على استمرار الصمت، ولا تفترضوا أن حب الحركة يعني قبول كل شيء. ابحثوا عن الأشخاص الذين يستحقون، والقادرين على تقديم ما لديهم لفلسطين والقدس والحركة.

ولنكن واقعيين؛ القدرات والإمكانات وأصحابها معروفة سلفًا. فقدموا أصحابها في القوائم، لضمان أن يحدثوا فرقًا حين ينجحون، وأن يكونوا درعًا وسندًا للحركة والقدس والوطن قبل كل شيء.

هناك فرق بين حماية فتح وحماية أخطاء البعض باسم فتح، وبين الوحدة وفرض الأمر الواقع، وبين القيادة واحتكار القرار، وبين الالتزام التنظيمي وإلغاء الإنسان. وهناك فرق كذلك بين ضمان نجاح شخص أو مجموعة، وبين ضمان نجاح القائمة ككل.

فلنكن واقعيين. نريد قائمة يستطيع الفتحاوي أن يفتخر بها .. إن قائمة فتح القادمة يجب أن تكون رسالة إلى الشارع الفلسطيني قبل أن تكون ترتيبًا انتخابيًا. رسالة تؤكد أن فتح راجعت تجربتها، وأنها قادرة على التصحيح بكل جرأة، وأنها لا تكافئ القريب على حساب التاريخ، وأن المناضل ليس أقل قيمة من الموظف أو الصديق، وأن أبناء الشهداء والمناضلين وأصحاب التاريخ النضالي لا يجوز أن يجدوا أنفسهم خارج الحسابات.

لا نريد قائمة تُربك الكادر ثم تطلب منه الدفاع عنها. نريد قائمة يستطيع الفتحاوي دعمها بثقة واعتزاز، وحملها بكل فخر، وهو مقتنع بأسمائها وأرقامها، وقادر على تقديمها للشارع الفلسطيني واستقطاب أصوات المستقلين.

ومن هنا، فإن مقترحي واضح:

الخروج من دائرة المحاصصة والترتيبات المغلقة، وعدم الاكتفاء بإحالة الأمر إلى لجنة أو جهة بعينها، وإنما اعتماد معايير واضحة ومعلنة وعادلة لاختيار المرشحين وترتيبهم.

معايير تراعي التاريخ النضالي والتنظيمي، والكفاءة والقدرة على التمثيل، والحضور الشعبي، والنزاهة والسمعة، والقدرة على جمع الناس لا تقسيمهم، وتمثيل القدس ومختلف المناطق والفئات، وإنصاف الكوادر التي تعرضت للإقصاء والتهميش، وإعادة الاعتبار لمن ظلموا وتحملوا تبعات المراحل السابقة.

فمن تحمل تبعات العمل من أجل الحركة بالأمس، لا يجوز تحميله التبعات نفسها مرة أخرى اليوم.

القدس وفلسطين أكبر من الحسابات الشخصية ..
وأخيرًا، فإنني لا أكتب هذا الرأي بحثًا عن منصب أو حصة، فأنا لست مرشحًا حتى اللحظة، وكل من يتم اختياره وفق معايير صحيحة يمثلني. كما أنني لا أستهدف شخصًا بعينه، وإنما أطرح ما ينبغي طرحه قبل أن يتحول الصمت إلى ضرر بحق الحركة.

القدس ليست مجالًا للمساومات، وفلسطين ليست ساحة لتصفية الحسابات، وفتح ليست ملكًا لأحد، والكادر ليس مجرد أصوات انتخابية تُستدعى عند الحاجة. فالقيادة عندنا متحرك تحت ثابت، والثابت هو المبادئ التي تربينا عليها، وهذا عهدنا وديدننا.

ومن يريد من الكادر أن يدعم القائمة، فعليه أولًا أن يضع الكادر في صميمها، لا على هامشها. فلقد تحملنا كثيرًا، وصمتنا طويلًا، وتجاوزنا الكثير، واليوم نقول بوضوح: إما أن تكون المرحلة القادمة مرحلة إنصاف وشراكة وتصحيح حقيقي، أو فلا تتوقعوا من الكادر التعامل مع الماضي وكأنه لم يكن.

ولا نريد أن تختلط الأوراق أو أن يبحث كل إنسان عن خياراته الخاصة، فهذا ما لا نريده، وما نأمل أن نتجاوزه من خلال مبادرة صادقة ومسؤولة. فالوقت ليس وقت المكابرة، ولا الحسابات الشخصية، ولا توريث المواقع .... الوقت وقت إنقاذ فتح. 

وما هو قادم قد يكون أخطر بكثير مما يتصور البعض، وقد يكون ثمن أي خطأ جديد أكبر من ثمن أخطاء الماضي، في ظل تعدد القوائم، ومنها القوائم الفتحاوية والوطنية والعشائرية والأكاديمية.

ومن أجل القدس، ومن أجل فلسطين، ومن أجل صون إرث دماء الشهداء، ومن أجل تاريخ حركة فتح، علينا أن نكون جاهزين. حتى لو لم تجرِ الانتخابات في موعدها المحدد، فإنها ستجري عاجلًا أم آجلًا، والواجب أن نكون مستعدين لها سياسيًا وتنظيميًا وجماهيريًا.

وكما يقول المثل: "اللي بتوضّى بدري بصلي حاضر."

فلنستبق الاستحقاق، ولنبدأ من اليوم.

أنصفوا الكادر قبل فوات الأوان.

صححوا المسار قبل أن يفرض الشارع تصحيحه.

افتحوا الأبواب قبل أن تُغلق القلوب.

واجعلوا الشراكة حقيقة لا شعارًا.

فالمناضلون الذين حافظوا على فتح في أصعب مراحلها يستحقون أن تكون فتح اليوم منصفة لهم. إنهم رجال مواقف، وأصحاب تاريخ، وسند الحركة في أصعب المراحل. فلنجعل الشراكة ممارسة حقيقية، ولنجعل الإنصاف أساسًا، ولنجعل وحدة فتح نابعة من القناعة والعدالة، لا من الخوف أو الإلزام.

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

* قيادي فتحاوي مقدسي