آراء

حكايات عن السجن والحرب.... الحلقة الثانية: السابع من أكتوبر

11 مشاهدة
حكايات عن السجن والحرب.... الحلقة الثانية: السابع من أكتوبر

 

 الكاتب: الأسير المحرر كميل أبو حنيش

 

لم يكن صباح السابع من أكتوبر صباحًا عاديًا، كنا قد اعتدنا على سلسلة الحروب السابقة على غزة، وكنا نتابعها من قلب السجن عبر وسائل الإعلام، إما من خلال التلفاز أو المذياع أو الصحيفة، وكان ثمة كمٌّ من المعلومات تتدفق إلينا،  ربما كانت حرب العام 2014 هي الأقسى والأكثر إثارة، إما عن الإجراءات التي كانت تتخذ بحقنا، فكانت محدودة ومقتصرة على إيقاف الزيارات لبضعة أسابيع، أو معاقبة بعض الأفراد أو الغرف التي تبدي نوعًا من الحركات الانفعالية كالتهليل والتكبير.

لكننا أدركنا أن السابع من أكتوبر وما سينجم عنه لن يكون اعتياديًا. وإن هذه الحرب لن تكون كسابقاتها، حتى ذلك الصباح كانت لدينا كافة الوسائل، بما فيها الهواتف التي تتيح لنا متابعة ذلك الحدث العظيم الذي استيقظنا على هول مفاجأته السارة.

في السابق كنا ننتظر خبرًا عن أسر جندي أو مجموعة جنود في أفضل التوقعات، ليخلصنا من معاناة الأسر الطويلة والشاقة.

قبل أيام من السابع من أكتوبر تسربت إلينا بعض المعلومات الجادة، أن ثمة صفقة تبادل تلوح في الأفق بمبادلة الأسرى الصهاينة الذين وقعوا في قبضة المقاومة منذ حرب العام 2014. وقد انتظرنا قرابة العشر أعوام ونحن نستمع إلى الوعود والأخبار والمعلومات والإشاعات في كثير من الأحيان، لكن المعلومات الجديدة تؤكد أن صفقة التبادل هذه المرة جدية، ولن تتعدى شهر أكتوبر من العام 2023.

ولهذا كنا نتابع بحذر، وبقلق، ما يصلنا من معلومات أخذت تتوارد عن هذه الصفقة، لكن السابع من أكتوبر كان حدثًا مزلزلًا فاق  كل التوقعات، وكان عبورًا مدويًا أذهل الصديق قبل العدو، وأخذت تتسارع الأخبار عن سيطرة تامة على مستوطنات الغلاف والمعسكرات والنقاط العسكرية القريبة، وتمكن المقاومة من أسر العشرات من جنود وضباط الجيش وجهاز الشاباك والوحدات الخاصة المختلفة.

كان يوم سبت، ولم تكن إدارة السجن بكامل طاقمها بعد، ولم يطل الوقت أكثر من ساعتين حتى جرى قطع محطات التلفاز عن السجن، ولم يسمح لنا بالخروج إلى الفورة منذ ذلك اليوم إلا بعد ستة أشهر، ووجدنا أنفسنا نستيقظ تباعًا على وقع الخبر، وكانت أجهزة المذياع التي بحوزتنا، إضافة إلى بعض الهواتف الخلوية، تسد الحاجة في متابعة ذلك الحدث العظيم. استيقظ الأسرى في السجون على خبر من العيار الثقيل، واحتجنا لساعات حتى يتسنى لنا استيعاب ما يجري.

كان ثمة مشاعر مختلطة، مزيج من الفرح الصارخ انبهارًا بالعملية البطولية الهائلة، القلق، الذهول، التوتر، انبعاث الآمال. أخذت بشائر الحرية المنتظرة تداعب المخيلات المتعبة من طول الانتظار. بعضنا رقص وغنى.

الأهالي بالخارج في أوج فرحهم، وإحساسهم بطعم الانتصار، كان اليوم الأول من الحرب، يومًا غير اعتيادي في حياة شعب كبلته القيود الاستعمارية الظالمة منذ أكثر من قرن. ها هو البركان ينفجر.

العملية كانت مذهلة من كافة النواحي الاستخبارية والعسكرية والعملية في نتائجها وإنجازاتها، العملية الميدانية كانت هائلة. لقد هزم الجيش الأقوى في المنطقة خلال ساعات وحسب، هزمت أجهزته الأمنية الأسطورية وعلى أيدي من؟ مقاومة محاصرة منذ أكثر من عشرين عامًا، استطاعت أن تتجهز لهذا العبور الهائل بإمكانيات بدائية، ولا يمكن وصف ما جرى بأقل من معجزة.

الأخبار تتوارد وتتدفق كالسيل، تتسع رقعة النقاشات، لحظة زمنية لا يمكن رصدها بسهولة، كانت شرطة السجن في صمت مطبق كأن على رؤوسهم الطير. لم يجرِ في اليوم الأول ما هو استثنائي، كان الترقب سيد الموقف في اليوم الأول، وجوه عابسة مكفهرة في أوقات العدد، ووجوه أخرى ضاحكة، مشرقة، متشفية.

كيف تناولنا طعامنا وشرابنا، وكيف واصلنا متابعة سائر مفردات حياتنا في ذلك اليوم، لا أذكر. ما أذكره أننا كنا نتابع بشغف وقلق ما يجري على أرض غزة العزة والكرامة والإباء، نترقب ما سيخرج من جعبة دولة الاحتلال الفاشية بحق شعبنا. وبحقنا كأسرى، ولكن ثمة إحساس أكيد: الحرية قادمة لا محالة.