الكاتب: سامي البريم
في واحدة من أصعب لحظات حياتي، والتي لا أستطيع نسيانها مهما مرّ الزمن، كانت إصابة شقيقي ماجد ومحاولة إنقاذه. لم تكن تلك الحادثة مجرد لحظة خوف على أحد أفراد عائلتي فقط، بل كانت تختصر معنى الحياة في غزة، حيث أصبح البحث عن الطعام رحلة قد تنتهي بالموت.
في خضم المجاعة، لم يكن لدينا جرام واحد من الدقيق. كانت عائلتي، المكونة من واحد وعشرين فردًا، تعيش يومًا بيوم، نبحث عن أي شيء يمكن أن يسد الجوع. كنت أفكر باستمرار في كيفية توفير كيس من الدقيق، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. في غزة، لم يعد الحصول على الطعام مرتبطًا بالقدرة على شرائه، بل بالقدرة على النجاة.
بعد تردد طويل، اتصلت بشقيقي ماجد، وأخبرته بأنه يتعين علينا التوجه إلى المكان الذي يعترض فيه الناس قوافل المساعدات التابعة للأونروا. كنا ندرك تمامًا حجم المخاطرة، لكننا كنا ندرك أيضًا أن العودة من دون طعام تعني أن أطفالًا وكبارًا في عائلتنا سيقضون يومًا آخر وهم يتضورون جوعًا.
وصلنا إلى نقطة كان يجتمع فيها عدد كبير من الجوعى. كان المشهد قاسيًا؛ مئات الأشخاص ينتظرون في منطقة قريبة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكل واحد منهم يحمل الأمل نفسه: الحصول على كيس من الدقيق أو صندوق طعام. كانت المنطقة تُصنَّف عالية الخطورة، لكن الجوع كان أقوى من الخوف.
في ذلك الوقت، كانت إسرائيل تسمح للحشود بالاقتراب من قوافل المساعدات حتى يتمكن الناس من السيطرة عليها بالكامل، وبذلك تمنع وصولها إلى مخازن الأونروا وإتمام عملية التوزيع المنظم. وفي الوقت نفسه، كان الجوعى الذين يحاولون الوصول إلى الغذاء يتعرضون لإطلاق النار، فيتحول البحث عن الطعام إلى رحلة قد تنتهي بالإصابة أو الموت.
نجحت محاولتي الأولى في الحصول على كيس من الدقيق. للحظة شعرت بأنني نجحت في إنقاذ عائلتي من الجوع، لكن ذلك الشعور لم يدم سوى ثوانٍ قليلة. ما إن وجدت شقيقي ماجد قد أُصيب بشظية اخترقت جدار أمعائه.
رغم إصابته، تمكن ماجد من المشي نحو أربعة كيلومترات حتى وصل إلى المستشفى. وعندما وصلنا، لم تكن هناك أسرة شاغرة، ولا غرف تتسع للجرحى والقتلى الذين كانوا يتوافدون باستمرار. حملته بيدي إلى غرفة عمليات تابعة لأطباء الأنف والأذن والحنجرة، لأنها كانت المكان الوحيد الذي يمكن أن يتلقى فيه أي رعاية عاجلة.
هناك، هرع أصدقائي الأطباء لمساعدته دون تردد. لم يسألوا عن شيء سوى كيفية إنقاذ حياته. وبعد تقديم الإسعافات الأولية، جرى تحويله إلى مستشفى آخر لإجراء عملية جراحية طارئة، استُئصل خلالها عشرة سنتيمترات من أمعائه.
بعد أن استقرت حالته، وقفت أمام أحد الأطباء الذين ساعدوه وسألته: كيف يمكنني أن أرد لك هذا الجميل؟
ابتسم بهدوء، وقال: «بعض الدقيق يكفي لإطعام أسرتي.»
كانت تلك الإجابة صادمة بالنسبة لي. حتى الأطباء الذين كانوا ينقذون الأرواح كانوا يعانون الجوع ذاته الذي نعانيه. وفي داخل المستشفى، قسمت كيس الدقيق الذي حصلت عليه بين عائلتي وأصدقائي من الأطباء. لم يكن الكيس يكفي الجميع، لكنه كان الشيء الوحيد الذي أستطيع تقديمه لمن أنقذ حياة شقيقي.
نجا ماجد بفضل أولئك الذين رفضوا أن يفقدوا إنسانيتهم، رغم أنهم كانوا يعيشون الظروف نفسها. وما زلت، كلما تذكرت ذلك اليوم، أدرك أن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي ليس صوت الانفجار، ولا رائحة المستشفى، بل كلمات الطبيب الذي لم يطلب مالًا، ولم ينتظر مكافأة، بل طلب قليلًا من الدقيق ليطعم أسرته.
