الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة مجرد حوادث متفرقة أو أعمال عنف فردية ينفذها أشخاص خارجون عن القانون، بل باتت تتحول، وفق مؤشرات ميدانية وتقارير حقوقية متزايدة، إلى أداة منظمة للضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن أراضيهم ومنازلهم، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الحرب في قطاع غزة والتصعيد العسكري الإسرائيلي، تتواصل في الضفة الغربية حرب أخرى أقل صخباً من الناحية الإعلامية، لكنها شديدة الخطورة في نتائجها، يقودها المستوطنون من خلال الاعتداء على القرى والتجمعات الفلسطينية، وإحراق المنازل والمركبات والمزارع، ومهاجمة المزارعين، وإقامة البؤر الاستيطانية، ومحاصرة المنازل، وقطع الطرق، وفرض الخوف على السكان.
وتشير معطيات حديثة إلى أن عام 2026 يشهد مستويات قياسية من عنف المستوطنين؛ إذ وثقت قاعدة بيانات فلسطينية 4749 اعتداءً خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ1353 اعتداءً خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 251 بالمئة.
العنف كوسيلة للتهجير ..
المشكلة الأخطر لا تكمن في عدد الاعتداءات فقط، وإنما في طبيعتها والنتائج التي تتركها. فعندما يُهاجم الفلسطيني في منزله، ويُحرق محصوله، وتُقطع عنه الطرق، وتُحاصر عائلته، وتتعرض أرضه للاستيلاء، فإن الهدف يتجاوز إلحاق الضرر الآني إلى تحويل الحياة اليومية إلى حالة مستحيلة تدفع السكان إلى مغادرة المكان.
وفي تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش أخيراً، قالت إن تصاعد عنف المستوطنين أدى منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى تهجير 107 بلدات وقرى فلسطينية بصورة كاملة أو جزئية، معتبرة أن العنف المدعوم من الدولة الإسرائيلية أصبح عاملاً رئيساً في دفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام اعتداءات عشوائية، أم أمام سياسة تستخدم العنف الاستيطاني المسلح إلى جانب الأدوات العسكرية والإدارية للاحتلال؟
المشهد على الأرض يوحي بأن الحدود بين المستوطن والجيش والقرار السياسي أصبحت أكثر ضبابية، خصوصاً عندما يتكرر الاعتداء في المناطق ذاتها، ويترافق مع حماية عسكرية أو مع غياب المحاسبة، ثم يعقب ذلك إنشاء بؤرة استيطانية أو السيطرة على أراضٍ جديدة.
الضفة الغربية أمام حرب استنزاف ..
ما يجري في الضفة ليس معركة واحدة، بل حرب استنزاف طويلة تستهدف الإنسان والأرض معاً. فالمستوطن لا يحتاج دائماً إلى السيطرة المباشرة على القرية؛ يكفي أن يجعل الوصول إلى الأرض الزراعية خطراً، وأن يجعل الليل مصدراً دائماً للخوف، وأن يدفع العائلات إلى إغلاق أبوابها، وأن يمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، حتى تتحول الأرض تدريجياً إلى مساحة فارغة قابلة للاستيلاء.
وقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" اوتشا" في مايو/أيار الماضي أكثر من 50 هجوماً للمستوطنين خلال أسبوع واحد فقط، أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، بينها هجمات حرق طالت مسجداً ومنازل وأراضي زراعية ومركبات، مشيراً إلى متوسط بلغ ستة هجمات للمستوطنين يومياً خلال عام 2026.
من مناطق الاستيطان إلى قلب التجمعات الفلسطينية ..
واللافت أن الاعتداءات لم تعد محصورة في المناطق الريفية والنائية، بل تشير تقارير حديثة إلى توسع نشاط المستوطنين باتجاه مناطق يعيش فيها غالبية الفلسطينيين، بما فيها مناطق "أ" و"ب"، في تحول وصفته تقارير بأنه انتقال إلى "جبهة جديدة" من العنف والاستيطان.
وهذا التحول بالغ الخطورة؛ لأنه يعني أن المشروع الاستيطاني لا يكتفي بتوسيع رقعته الجغرافية، بل يسعى إلى تفتيت التواصل بين التجمعات الفلسطينية وتحويل الضفة إلى جزر سكانية منفصلة.
وفي قرية قصرة جنوب نابلس، على سبيل المثال، وثقت تقارير حديثة حصاراً لعدد من المنازل الفلسطينية استمر أياماً، وسط إدانة أممية وفلسطينية لما وصف بأنه سلوك "إجرامي" و"لا إنساني".
حين يصبح الصمت شريكاً ..
الأخطر من جرأة المستوطنين هو شعورهم بأنهم قادرون على ارتكاب الاعتداء ثم العودة إلى مستوطناتهم دون محاسبة حقيقية.
فالقانون الذي لا يطبق، والمعتدي الذي لا يعاقب، والضحية التي تترك وحدها في مواجهة الخوف، كلها عوامل تشجع على تكرار الجريمة.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على المستوطن الذي يحمل السلاح أو يشعل النار فحسب، وإنما تمتد إلى كل منظومة توفر له البيئة التي تسمح باستمرار هذا السلوك.
وقد أشار تقرير أممي إلى أن 76 فلسطينياً استشهدوا في الضفة الغربية خلال عام 2026 حتى أغسطس/آب، بينهم 18 طفلاً، على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين.
حرب على الوجود الفلسطيني ..
في جوهرها، تبدو حرب المستوطنين حرباً على الوجود الفلسطيني نفسه: على البيت، والأرض، والشجرة، والمسجد، والمدرسة، والطريق، والمزرعة، وعلى حق الفلسطيني في أن يعيش آمناً في المكان الذي عاش فيه آباؤه وأجداده.
فحين تُحرق الأشجار، لا يكون الهدف شجرة واحدة، وحين يُهاجم منزل، لا يكون الهدف حجارة المنزل فقط؛ إنما الرسالة الأوسع هي أن الفلسطيني غير مرغوب في بقائه هنا.
وهذه أخطر رسائل الاستيطان، لأنها تحاول تحويل الاحتلال من سيطرة عسكرية مؤقتة إلى واقع ديموغرافي وجغرافي دائم.
المطلوب وقف الحرب لا إدارة نتائجها ..
لم يعد ممكناً التعامل مع عنف المستوطنين باعتباره ملفاً أمنياً هامشياً. المطلوب هو اعتباره جزءاً أساسياً من المشهد السياسي في الضفة الغربية، وربط الاعتداءات بمشروع الاستيطان والتهجير ومصادرة الأرض.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة المعتدين ووقف التوسع الاستيطاني.
فالفلسطيني الذي يبقى في أرضه رغم الخوف والحصار والاعتداءات لا يدافع عن منزله فقط، بل يدافع عن فكرة أن هذه الأرض ليست فراغاً يمكن ملؤه بالقوة، وأن التهجير لا يصبح شرعياً لمجرد أنه يتم على مراحل وبعيداً عن كاميرات العالم.
إن المستوطنين، وفق ما تكشفه الوقائع المتراكمة، لا يخوضون مجرد سلسلة من الاعتداءات المنفصلة؛ بل يتحركون في مسار يتقاطع مع التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض السيطرة على مزيد من الأرض. ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ أولاً بتسمية الأشياء بأسمائها: ما يجري في الضفة الغربية ليس شغباً عابراً، بل عنف متصاعد يهدد الفلسطينيين في أمنهم وبيوتهم وأراضيهم وحقهم في البقاء.
ويبقى السؤال أمام العالم: كم قرية فلسطينية يجب أن تُهجّر، وكم منزلاً يجب أن يُحرق، وكم عائلة يجب أن تعيش تحت الخوف، حتى يتحول القلق الدولي إلى فعل؟

