اقتصاد

من خيمة في دير البلح.. بذور غزة تستعيد طريقها إلى الأرض

8 مشاهدة
من خيمة في دير البلح.. بذور غزة تستعيد طريقها إلى الأرض

غزة-محمد ماجد-واثق نيوز-بين أكياس صغيرة تحتوي على بذور بلدية نجت من دمار الحرب، يواصل المزارع الفلسطيني سلامة مهنا محاولة إعادة الحياة إلى "بنك القرارة للبذور البلدية" من داخل خيمة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعدما فقد المشروع جزءاً كبيراً من مخزونه وإمكاناته، واضطر إلى البدء مجدداً بكميات محدودة.

ولا ينظر مهنا إلى البذور التي يجمعها ويعمل على إكثارها باعتبارها مجرد محصول زراعي، بل يراها جزءاً من ذاكرة الأرض ووسيلة للحفاظ على قدرة المزارعين الفلسطينيين على مواصلة الزراعة رغم الدمار ونقص مستلزمات الإنتاج.

ويعمل مهنا مع عشرات المزارعين على إكثار أصناف مختلفة من البذور المحلية، في وقت تعرض فيه القطاع الزراعي في غزة لخسائر واسعة جراء الحرب الإسرائيلية، طالت الأراضي الزراعية والدفيئات والآبار وشبكات الري، إلى جانب صعوبة توفير البذور والأسمدة والمعدات.

ويقول مهنا إن فكرة إنشاء بنك للبذور تبلورت بعد سلسلة الأزمات التي شهدها قطاع غزة منذ عام 2000، قبل أن يتحول المشروع إلى واقع عام 2017 بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وحمل المشروع اسم "بنك القرارة للبذور" نسبة إلى بلدة القرارة شرقي خان يونس جنوبي القطاع، المعروفة بطابعها الزراعي، لكنه يعمل اليوم من خيمة مؤقتة عقب النزوح والدمار اللذين طالا مقره السابق.

ويوضح مهنا أن الهدف الأساس للبنك يتمثل في الحفاظ على البذور البلدية التي تتميز بقدرتها على التأقلم مع الظروف المحلية وتحمل الجفاف وبعض الآفات، فضلاً عن إمكانية إعادة استخدامها في مواسم زراعية متتالية.

ويضيف: "في ظل التغير المناخي والحصار، أصبحت حاجتنا إلى البذور البلدية أكبر، لأنها تتحمل الظروف الصعبة ولا تجعل المزارع معتمداً بشكل كامل على شراء بذور جديدة كل موسم".

70 طناً قبل الحرب
قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان البنك يمتلك نحو 70 طناً من بذور القمح المعدة للتوزيع على المزارعين خلال الموسم الشتوي، وفق مهنا.

لكن الحرب والنزوح المتكرر تسببا في فقدان جزء كبير من المخزون والإمكانات، ما دفع القائمين على المشروع إلى إعادة التواصل مع المزارعين الذين تعاملوا معهم سابقاً، في محاولة لاستعادة الأصناف البلدية وإكثارها من جديد.

ويقول مهنا: "لم نستسلم بعد الدمار والنزوح، وعدنا إلى المزارعين الذين تعاملنا معهم سابقاً حتى نجمع البذور البلدية من جديد".

ويشير إلى أن استعادة بعض الأصناف بدأت بكميات ضئيلة، موضحاً أن إكثار الشعير البلدي، على سبيل المثال، انطلق من نحو كيلوغرامين فقط، قبل أن تتضاعف الكميات تدريجياً عبر المواسم الزراعية.

وتأتي جهود إعادة إحياء بنك البذور في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي في غزة دماراً واسعاً. وأظهر تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات"، نُشر في يونيو/ حزيران الماضي، تضرر نحو 87 بالمئة من الأراضي المزروعة في القطاع، إضافة إلى أكثر من 81 بالمئة من مساحة الدفيئات الزراعية.

ووفق دراسة سابقة للمنظمتين، بلغت الأضرار المباشرة التي لحقت بالنظام الزراعي والغذائي في غزة نحو 1.44 مليار دولار، فيما قدرت الخسائر بنحو 1.46 مليار دولار، وشملت آثار الحرب المحاصيل الزراعية والأشجار والآبار وشبكات الري والمنشآت المرتبطة بالإنتاج الزراعي.

إقراض البذور لضمان استمرارها
يعتمد البنك نظاماً يقوم على إقراض البذور للمزارعين بدلاً من توزيعها نهائياً، بهدف الحفاظ على المخزون وضمان تجديده باستمرار.

وبحسب مهنا، يمنح البنك المزارع كمية من البذور وفق احتياجاته، على أن يعيد الكمية نفسها بعد الحصاد، بينما يحتفظ بباقي الإنتاج للاستخدام الشخصي أو للزراعة.

ويقول إن هذه الآلية "تحافظ على البذور من الضياع وتضمن استمرار وجودها عاماً بعد عام".

ويتعاون البنك حالياً مع نحو 38 مزارعاً في دير البلح وخان يونس لإكثار البذور، إضافة إلى تزويد 143 حديقة منزلية بالبذور، للمساهمة في الإنتاج وتوفير جزء من احتياجات الأسر.

ويرى مهنا أن الحدائق المنزلية اكتسبت أهمية أكبر مع تقلص المساحات الزراعية المتاحة أمام المزارعين، خصوصاً في المناطق القريبة من "الخط الأصفر"، الذي يحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.

تحديات تعيق التعافي الزراعي
ويقول مهنا إن المزارعين في غزة يواجهون صعوبات كبيرة بسبب نقص الأسمدة والمبيدات والأغطية البلاستيكية ومستلزمات إنشاء الدفيئات، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية.

كما أن العمل داخل خيمة لا يوفر الظروف المثالية لحفظ البذور لفترات طويلة، بسبب تأثير الحرارة والرطوبة والحشرات، ما يزيد الحاجة إلى دعم فني ومعدات تخزين مناسبة.

ويناشد مهنا المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها "فاو"، دعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج الضرورية لإعادة تأهيل القطاع الزراعي.

ويقول: "الزراعة هي عصب الحياة في قطاع غزة، ونأمل أن تتوفر الإمكانات التي تسمح بإعادة استصلاح الأراضي وإعادتها إلى الإنتاج".

ورغم محاولات محدودة لاستعادة النشاط الزراعي منذ وقف إطلاق النار، تؤكد "فاو" أن تعافي القطاع لا يزال مرتبطاً بقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، وتوفير البذور والأسمدة والمعدات اللازمة.

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية