محليات

ورقة دراسية .. الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال: بين الشرعية الديمقراطية ومتطلبات التحرر الوطني

57 مشاهدة
ورقة دراسية .. الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال: بين الشرعية الديمقراطية ومتطلبات التحرر الوطني

اعداد: هاني المصري 
مقدمة
أعاد إعلان الرئيس محمود عباس عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية طرح تساؤلات حول حاجة السلطة إلى البقاء، وتجديد شرعيتها، وتجاوز المأزق العميق الذي تعيشه، والتأهل للمرحلة القادمة التي تشهد إرهاصات كبيرة قد تؤدي إلى تغيرات محلية وإقليمية ودولية.
وجاء الإعلان في ظل سوء تقدير، مفاده أن حركة حماس وبقية الفصائل المنضوية في إطار المقاومة لن تشارك، سواء بسبب القيود السياسية المفروضة بموجب قانون الانتخابات، أو بسبب احتمال منعها من المشاركة من جانب الاحتلال والإدارة الأمريكية وغيرهما من الأطراف المؤثرة.
إلا أن الإعلان فتح نقاشًا قديمًا يتجدد كلما طُرح هذا الاستحقاق: هل تمثل الانتخابات مخرجًا من الأزمة الفلسطينية، أم أنها جزء من الحل، أم أنها قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة وتعميقها؟
من هنا، فإن اختزال الديمقراطية في مجرد تنظيم انتخابات دورية يبتعد عن جوهر القضية. فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما إحدى أدوات الديمقراطية، والديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار الحكام، بل منظومة متكاملة تقوم على العقد الاجتماعي، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان، واحترام نتائج الانتخابات وتداول السلطة سلميًا.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الانتخابات قد تُجرى في أنظمة سلطوية أو تحت الاحتلال أو في ظل انقسامات حادة، دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي وخصوصا إلى قيام نظام ديمقراطي. كما أن الديمقراطية نفسها ليست نموذجًا واحدًا؛ فقد طورت الأدبيات السياسية صيغًا مختلفة، من الديمقراطية التنافسية إلى الديمقراطية التوافقية وتقاسم السلطة، خصوصًا في المجتمعات المنقسمة أو الخارجة من النزاعات، حيث قد يؤدي الاحتكام إلى الأغلبية وحدها إلى تعميق الانقسام بدلًا من تجاوزه. 

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في الحالة الفلسطينية، لأن الفلسطينيين لا يعيشون في دولة مستقلة ذات سيادة، وإنما تحت احتلال استيطاني إحلالي يسيطر على الأرض والحدود والمعابر والسجل السكاني والاقتصاد، ويملك القدرة على اعتقال المرشحين والناخبين، ومنع إجراء الانتخابات في أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، أو تعطيل نتائجها إذا تعارضت مع مصالحه.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول المشاركة أو المقاطعة فقط، وإنما حول وظيفة الانتخابات وشروطها السياسية والوطنية، ومدى قدرتها على خدمة مشروع التحرر الوطني، لا أن تتحول إلى وسيلة لإعادة انتاج السلطة بوظيفتها الوظيفية لإدارة السكان الاحتلال .

الديمقراطية والانتخابات... علاقة ليست مطلقة
تُنسب إلى ونستون تشرشل عبارته الشهيرة بأن الديمقراطية هي "أسوأ أشكال الحكم، باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي جُربت أي هي أفضل أشكال الحكم السيئة". ولا تزال هذه العبارة تعبر عن حقيقة مهمة؛ فالديمقراطية ليست نظامًا مثاليًا، لكنها حتى الآن الصيغة الأكثر قدرة على الحد من الاستبداد وضمان المشاركة الشعبية والمساءلة.
غير أن التجربة الإنسانية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن الانتخابات، رغم أهميتها، ليست مرادفة للديمقراطية. فقد شهدت دول عديدة انتخابات منتظمة، لكنها لم تغير شيئا بل بقيت سلطوية بسبب غياب استقلال القضاء، وهيمنة الأجهزة الأمنية، واحتكار الإعلام، واستخدام المال السياسي، وتقييد الحريات.
بل إن الديمقراطيات الغربية نفسها تواجه اليوم انتقادات متزايدة بسبب تراجع المشاركة الشعبية، واتساع نفوذ جماعات الضغط، وهيمنة رأس المال والإعلام ، وصعود الشعبوية، بحيث أصبحت المنافسة السياسية تدور غالبًا بين قوى تختلف في السياسات، لكنها لا تختلف حول البنية الأساسية للنظام الاقتصادي والسياسي. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الانتخابات وحدها على التعبير الكامل عن الإرادة الشعبية.
لذلك، لم يعد الفكر السياسي المعاصر ينظر إلى الانتخابات باعتبارها المعيار الوحيد للديمقراطية، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أشمل تشمل مؤسسات مستقلة، وحريات عامة، ومجتمعًا مدنيًا فاعلًا، وإعلامًا حرًا، وآليات فعالة للمساءلة والمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لاكتساب الشرعية وتجديدها، شرط أن تكون حرة ونزيهة، وأن تُحترم نتائجها، وأن يتمكن الفائز من ممارسة صلاحياته فعليًا.

هل تصلح ديمقراطية الأغلبية في المجتمعات المنقسمة؟
أحد أهم التطورات في الفكر السياسي المقارن خلال العقود الأخيرة هو التمييز بين الديمقراطية القائمة على حكم الأغلبية، والديمقراطية التوافقية.
فقد بيّن عالم السياسة الهولندي أرند ليبهارت أن المجتمعات المنقسمة دينيًا أو قوميًا أو إثنيًا قد لا تستطيع الحفاظ على الاستقرار إذا احتكمت بصورة دائمة إلى قاعدة "الفائز يحكم والخاسر يعارض". ولهذا طوّر مفهوم الديمقراطية التوافقية التي تقوم على الشراكة الواسعة، والتمثيل النسبي، وحماية حقوق الأقليات، والتوافق في القضايا المصيرية. 

ولا يعني ذلك إلغاء الانتخابات، وإنما وضعها ضمن إطار أوسع يمنع تحولها إلى أداة للإقصاء أو الهيمنة أو الشرذمة والمزيد من التفتيت والانقسام. وقد استفادت من هذا النموذج، بدرجات متفاوتة، دول ومجتمعات خرجت من نزاعات عميقة أو انقسامات حادة، مع بقاء نقاش أكاديمي حول مزاياه وحدوده.

وإذا كان هذا النموذج قد طُرح لمجتمعات مستقلة ذات سيادة، فإن الحاجة إلى التوافق تصبح أشد في حالة شعب يخوض معركة تحرر وطني ضد احتلال استعماري استيطاني عنصري يسعى إلى تفكيك وحدته السياسية والجغرافية وتهجيره وابادته وضم اراضيه.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني لا ينبغي أن يكون: من يملك الأغلبية؟ بل: كيف يمكن بناء شراكة وطنية تضم مختلف الأطياف المستعدة للشراكة و تحافظ على التعددية، وتمنع الانقسام، وتخدم مشروع التحرر الوطني؟
ولا نستطيع أن نحاكم الدعوة لآجراء الانتخابات بدون ملاحظة أن هناك نية واضحة لهندسة نتائجها لتأتي في مصلحة السلطة القائمة والنخبة الحاكمة، وهذا يظهر من خلال التفرد بكل التحضيرات وخصوصا القوانين والاجراءات، والتخبط والارتجالية من الدعوة لانتخابات المجلس الوطني ووضع مسودةة للدستور (رغم وجود وجهات نظر حول جدوى الدستور قبل الاستقلال)إلى التراجع عنها والدعوة لانتخابات المجلس التشريعي وتأجيل الانتخابات الرئاسية رغم أهميتها البالغة نظرا لأن النظام السياسي الفلسكيني نظام رئاسي، بدون تحديد موعد محدد لها، وتجميد السير بعملية اقرار الدستور، والسير بشكل متوازي لتعيين اعضاء المجلس الوطني عبر صيغة المجمع الانتخابي، ثم التراجع عن عدد أعضاء المجلس التشريعي من 200 عضو إلى 132 عضو على أن يتم تعيين 68 عضوا من الضفة الغربية وقطاع غزة، بدون أي بحث جدي باجراء الانتخابات لشعبنا في الشتات وأماكن اللجوء رغم أن التوافق الوطني تم سابقا على اجراء الانتخابات حيثما أمكن والتوافق على التعيين ضمن معايير متفق عليها حيثما يتعذر اجراء الانتخابات، رغم توفر تقديرات ذات مصداقية عن امكانية اجراء الانتخابات في العديد من التجمعات الفلسطينية، وتم وضع كوتا لمشاركة النساء وتقليل عمر الذين يحق لهم المشاركة في التصويت، ولكن تم التخبط في الكوتا المسيحية، فبعد ان كانت 20 نزل العدد إلى 7 بدون تفسير مقنع لأسباب التغيير ولماذا تم تجاوز نسبة ال10% المتفق عليها سابقا, ولعل أكثر مسألة محل اعتراض هي وضع شرط سياسي على الترشح بحيث يجب الموافقة على وحدانية تمثيل منظمة التحرير، وهذه متفق عليها من الغالبية الساحقة مع الحوار حول مدى صحة وضعها كشرط، وعلى برنامجها والشرعية الدولية، وهذا يقضي على جوهر الانتخابات باعتبارها تنافس بين عدة قوائم على أفكار وبرامج متنوعة فالعقد الاجتماعي هو الذي يتم التوافق عليه من الجميع أما البرامج فهي يجب أن تبقى محل تنافس وبدونها لا توجد تعددية ولا حيوية ولا ابداع، ويزداد الطين بلة تخفيض نسبة الحسم إلى 1% وهذا من شأنه أن يحول الانتخابات العامة إلى أشبه بالانتخابات المحلية حيث سيطغى الصراع على النفوذ وعضوية المجلس التشريعي بين العائلات والعشائر وأصحاب رؤوس الأموال ومراكز القوى في السلطة والمجتمع. وتبقى نقطة هي تجاهل كيفية تمثيل ومشاركة شعبنا في الداخل رغم حجمه وأهمية دوره الذي يتجاوز عدده بكثير ، ومع حساسية هذا الأمر لا يجب تجاهلة بل لا بد من وضعه على جدول الأعمال الملح ويمكن اعتبار لجنة المتابعة في الداخل التي تمثل مختلف الإطياف هي الطرف المعني بالبحث مع بقية مكونات وتجمعات الشعب عن صيغة التمثيل والمشاركة المناسبة.

خصوصية الحالة الفلسطينية... عندما تتقدم الشرعية الوطنية على الشرعية الانتخابية

إذا كانت الانتخابات في الدول المستقلة وسيلة لاختيار الحكومات وتداول السلطة، فإنها في الحالة الفلسطينية تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: ما وظيفة السلطة أصلًا؟ وهل هي سلطة دولة مستقلة تمارس سيادتها على أرضها وشعبها، أم سلطة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات تعمل تحت سلطة الاحتلال وقيوده؟ وهل يمكن تغيير السلطة من داخلها، وكيف؟
هذا السؤال هو الذي يجعل النقاش الفلسطيني مختلفًا عن أي نقاش انتخابي في دولة مستقلة، لأن القضية لا تتعلق فقط بطريقة اختيار الحكام، وإنما بطبيعة النظام السياسي نفسه، ووظيفته، وحدود صلاحياته، وعلاقته بمشروع التحرر الوطني.
فالشعب الفلسطيني لا يعيش مرحلة استقرار سياسي تسمح بالتنافس الطبيعي بين البرامج والأحزاب، وإنما يواجه مشروعًا استيطانيًا إحلاليًا يسعى إلى ضم الأرض، وتهجير السكان ومنع وحدتهم، وتقويض أي كيان سياسي فلسطيني قادر على تمثيل الشعب أو الدفاع عن حقوقه. لذلك، فإن المهمة الوطنية المتمثلة في مقاومة الاحتلال وإنهائه تبقى المهمة المركزية، بينما تأتي المهمة الديمقراطية، رغم أهميتها، في إطار خدمتها لا في مواجهتها.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الديمقراطية أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بل يعني أن الديمقراطية نفسها ينبغي أن تُصاغ بما ينسجم مع متطلبات التحرر الوطني، بحيث تصبح عنصر قوة للمشروع الوطني لا عنصر انقسام أو صراع داخلي.
ولهذا فإن الشرعية في الحالة الفلسطينية لا تستمد من صندوق الاقتراع وحده، وإنما من ثلاثة مصادر متكاملة:
* الشرعية الوطنية التي يمثلها الالتزام بالمشروع الوطني والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وأحد مكوناتها التوافق الوطني التذي تتزايد أهميته في حال تعذر اجراء الانتخابات لأسباب خارجية مثل منعها من الاحتلال أو جعل اجرائها بشكل حر متعذرا.
* الشرعية الديمقراطية التي تعبر عنها الانتخابات الحرة والنزيهة.
* الشرعية النضالية التي تتجسد في مقاومة الاحتلال وصون صمود الشعب على أرضه.
والتحدي الحقيقي ليس المفاضلة بين هذه الشرعيات، وإنما الجمع بينها وعدم السماح بتناقضها.
فإذا تعذر الجمع بين الشرعية الوطنية والشرعية الانتخابية، فإن الأولى تصبح المرجعية الحاكمة، لأن الانتخابات ليست هدفًا مستقلًا، بل وسيلة لخدمة المشروع الوطني.

الانتخابات تحت الاحتلال... حدود الممكن

تفترض الانتخابات الحرة وجود حد أدنى من السيادة السياسية والقانونية، بحيث يستطيع المواطن أن ينتخب بحرية، ويستطيع المرشح أن يخوض المنافسة دون خوف، وأن يتمكن الفائز من ممارسة صلاحياته بعد إعلان النتائج.
لكن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على الحدود، والمعابر، والحركة بين المدن، ويملك القدرة على اعتقال المرشحين والنواب، ومنع الحملات الانتخابية، وتعطيل الاقتراع في القدس وغزة والمناطق المصنفةc أو في أي منطقة يقررها، بل ومصادرة نتائج الانتخابات إذا تعارضت مع مصالحه.
وهذا يعني أن الاحتلال لا يقف خارج العملية الانتخابية، وإنما يصبح أحد أهم الفاعلين فيها، سواء شارك بصورة مباشرة أم غير مباشرة.
وقد أثبتت التجربة الفلسطينية ذلك أكثر من مرة، فبعد انتخابات عام 2006 اعتُقل عشرات النواب المنتخبين والوزراء، وشُلّ عمل المجلس التشريعي، وفُرض حصار سياسي ومالي على الحكومة المنتخبة، بما أكد أن احترام نتائج الانتخابات يبقى مرهونًا بموقف الاحتلال والقوى الدولية المؤثرة، لا بإرادة الناخب الفلسطيني وحدها.
ومن هنا تنبع أهمية السؤال الذي طرحه الاقتصادي وعالم السياسة مشتاق خان، ومضمونه: إذا كان بالإمكان تحقيق الحرية و الديمقراطية والتنمية والانتخابات الحرة تحت الاحتلال، فما الحاجة أصلًا إلى إنهاء الاحتلال؟
ورغم أن هذا السؤال يحمل قدرًا من المبالغة، فإنه يلفت الانتباه إلى حقيقة أساسية، وهي أن الاحتلال يفرض سقفًا سياسيًا وقانونيًا يجعل أي عملية ديمقراطية تحت الاحتلال مشوهة و ناقصة بالضرورة بشكل جوهري، ويحول دون تحول الانتخابات تحت الاحتلال إلى أداة تغيير حقيقية أو تعبير حر وحقيقي عن الإرادة الشعبية.

لماذا برزت فكرة الديمقراطية التوافقية؟

لهذا السبب لم يعد كثير من الباحثين يعتبرون أن قاعدة "الأغلبية تحكم والأقلية تعارض" هي الصيغة المثلى في المجتمعات المنقسمة أو الخارجة من النزاعات، بل برز مفهوم الديمقراطية التوافقية أو تقاسم السلطة، الذي يقوم على الشراكة الواسعة والتوافق في القضايا المصيرية، مع بقاء التنافس الديمقراطي في القضايا الأخرى.
ولا تعني الديمقراطية التوافقية إلغاء الانتخابات، ولا تعطيل مبدأ المحاسبة، وإنما تعني أن القضايا الوجودية، مثل الدستور، ووحدة الدولة، والحقوق الوطنية، والعلاقة بين مكونات المجتمع، لا تُحسم بالأغلبية العددية وحدها، وإنما بالتوافق الوطني الواسع.
وقد طُبقت هذه الصيغة، بدرجات متفاوتة، في عدد من الدول الخارجة من نزاعات أهلية أو انقسامات عميقة، مثل جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وإيرلندا الشمالية بعد اتفاق الجمعة العظيمة، وبلجيكا وسويسرا في إدارة التعددية الداخلية، مع بقاء نقاش أكاديمي حول نجاحاتها وإخفاقاتها وحدود صلاحيتها في كل حالة.
ولا يعني ذلك نقل هذه التجارب إلى فلسطين بصورة آلية، فلكل حالة خصوصيتها، لكن الدرس الأساسي منها هو أن المجتمعات التي تواجه تحديات وجودية تحتاج إلى قدر أكبر من التوافق الوطني والشراكة السياسية، لا إلى منطق المغالبة والإقصاء.
ومن هنا فإن الحالة الفلسطينية تبدو أقرب إلى الحاجة لصيغة وطنية توافقية، لأن الاحتلال والانقسام معًا يجعلان الاحتكام إلى الأغلبية وحدها غير كافٍ ولا طريق آمن لبناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات الوطنية.

هل نحتاج إلى انتخابات أم إلى عقد وطني جديد؟

تكشف التجربة الفلسطينية أن المشكلة لا تكمن في غياب الانتخابات وحده، وإنما في غياب الإطار الوطني الجامع الذي يحدد وظيفة النظام السياسي وأهدافه وقواعد عمله.
فالانتخابات، مهما بلغت نزاهتها، لا تستطيع وحدها حل أزمة المشروع الوطني، ولا إنهاء الانقسام، ولا إعادة بناء منظمة التحرير، ولا صياغة استراتيجية وطنية موحدة.

ولهذا فإن الأولوية ينبغي أن تكون للتوافق على عقد وطني جديد يحدد:
* الأهداف الوطنية العليا المستندة إلى الحقوق الأساسية وهي لا تتغير بتغير الظروف والأزمان.
* قواعد الشراكة السياسية.
* العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير.
* برنامج الحد الأدنى الذي يجسد القواسم المشتركة، وهو يمكن تغييره وفق تغير الظروف وموازين القوى ويحدد على أساس افضل وأقصى ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة.
* أشكال النضال المناسبة لكل مرحلة على أساس أنها متحركة وتستند إلى الحق والجدوى وليست صنم نعبده بل تعتمد بقدر قدرتها على التقدم على طريق تحقيق الأهداف الوطنية.
* قواعد تداول السلطة ومنع الإقصاء والتكفير والتخوين واحتكار الحقيقة والوطنية والدين.
بعد ذلك تصبح الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية داخل هذا الإطار الوطني، لا وسيلة للتنافس على سلطة محدودة الصلاحيات تعمل لإدارة السكان تحت الاحتلال.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نجري الانتخابات أم نقاطعها؟ وإنما: أي انتخابات نريد؟ ولخدمة أي مشروع وطني؟

حجج المشاركة في الانتخابات... لماذا يرى مؤيدوها أنها ضرورة وطنية؟

ينطلق مؤيدو المشاركة في الانتخابات من قناعة مفادها أن استمرار غياب المؤسسات المنتخبة يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة الفلسطينية، وأن إعادة بناء الشرعية عبر الانتخابات، رغم كل القيود، أفضل من استمرار الفراغ المؤسسي وتركيز السلطات في يد السلطة التنفيذية. فالمجلس التشريعي، رغم محدودية صلاحياته، يشكل إطارًا للرقابة والمساءلة وسن التشريعات، ويحد من تغول السلطة التنفيذية، ويعيد الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات.
كما يرى هؤلاء أن إجراء الانتخابات يحمل رسالة سياسية ووطنية، تؤكد استمرار وجود الشعب الفلسطيني كوحدة سياسية واحدة، وتتمسك بوحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تسعى إلى تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بينها. فمجرد انتخاب مجلس يمثل الفلسطينيين في الضفة والقطاع يكرس، ولو رمزيًا، وحدة الكيان السياسي الفلسطيني في مواجهة مشاريع التقسيم والضم، ويكتسب المجلس التشريعي أهمية مضاعفة نظرا لتبني الحكومة الاسرائيلية خطة حسم الصراع بمعنى تصفية القضية الفلسطينية من جذورها بتأييد ومشاركة أمريكية تتجلى باوضح صورة بفرض الوصاية الاستعمارية على قطاع غزة تحت مسمى مجلس السلام، وبعجز يعبر عن نفسه في محاولة اعتراض اقليمية ودولية ولكنها تتساوق مع المخططات الاحتلالية من خلال وضع  الاصلاح المزعوم للسلطة وتأهيل الفلسطينيين من خلال استكمال تجريدهم من بقية الأوراق التي يملكونها واهمها المقاومة كشرط لفتح أفق سياسي والبحث في اطلاق مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية، والاصلاح كشرط للاستقلال يتكرر مرارا وتكرارا وبصورة أسوأ منذ لجنة بيل في ثلاثينات القرن الماضي إلى دعوات اصلاح السلطة بعد الانتفاضة الثانية والتي استهدفت اخضاع  القائد ياسر عرفات وعندما رفض الاستمرار في التخلي عن صلاحياته لرئيس الحكومة المنصب الذي استحدث في النظام السياسي الفلسطيني جرى التخلص منه واغتياله بالسم، ونفس الشئ  يتكرر بصورة أخرى حاليا عندما تطالب القيادة الفلسطينية الحالية باستكمال التنازلات و شروط "الاصلاح " حتى تنال الاستقلال بينما تضيع وتستهدف القضية والشعب والأرض والحقوق والمؤسسة الوطنية الجامعة.
ويذهب أصحاب هذا الرأي ( يذهب بعض دعاته بعيدا) وكأن الانتخابات عصا سحرية وأنها  يمكن أن تؤدي إلى الوحدة وتجاوز اتفاق أوسلو، و تعيد الحيوية إلى الحياة السياسية الفلسطينية التي أصابها الجمود منذ سنوات، وأن تفتح المجال أمام تجديد النخب، وظهور قوى وائتلافات جديدة، وكسر حالة الاحتكار التي سادت النظام السياسي، فضلًا عن أنها كما يصورون توفر وسيلة سلمية للتغيير، وتمنح المواطن فرصة للمحاسبة، حتى وإن كانت هذه الفرصة محدودة جدا بفعل الاحتلال.
ومن أهم الحجج التي يطرحها أنصار المشاركة أيضًا أن البديل غير موجود. فالوحدة الوطنية لم تتحقق رغم عشرات الاتفاقات، ولم تشكل المعارضة جبهة وطنية عريضة على أساس عقد اجتماعي ومقاربة سياسية جديدة  وطنية واقعية طموحة بعيدا عن الامعان بالواقعية بدون طموح لتغيير الواقع، وبلا امعان بالخيال بعيدا عن الواقع، لتجبر القيادة الرسمية التراجع عن نهجها الآنفرادي وتمسكها بخيارها السياسي، ومنظمة التحرير لم تقم بالتغيير والتجديد والاصلاح الفلسطيني المطلوب من الشعب الفلسطيني ، والمقاومة الشعبية تعاني من تراجع كبير، والمقاومة المسلحة تواجه ظروفًا غير مسبوقة بعد الحرب على غزة لدرجة ان حركة حماس طرحت عقد هدنة طويلة الأمد تصل إلى 15 سنة لم تقبل لأن المطلوب التخلي التام عن المقاومة وادانتها بأثر رجعي، والشعب الفلسطيني غير جاهز لأسباب كثيرة حتى الآن لتفجير انتفاضة، فيما تبدو البيئة العربية والإقليمية والدولية أقل استعدادًا لدعم المشروع الوطني الفلسطيني. وفي ظل هذا الواقع، تصبح الانتخابات، في نظرهم، الوسيلة العملية الوحيدة المتاحة لتحريك المياه الراكدة.
ويضيف هؤلاء أن رفض الانتخابات أو مقاطعتها لن يؤدي تلقائيًا إلى بناء بديل وطني، بل قد يفضي إلى استمرار الوضع القائم، ويمنح القوى المهيمنة مبررًا إضافيًا للاستمرار في إدارة النظام السياسي دون رقابة أو مساءلة.
هذه الحجج تستند إلى واقع لا يمكن إنكاره، وهو أن النظام السياسي الفلسطيني يعاني من مأزق عميق شامل ناجم عن تراكم أزمات عديدة،  أزمة شرعية وقيادة وبرامج وصلت إلى طريق مسدود بغض النظر عن اختلاف الظروف والأسباب، وتراجع في الثقة الشعبية، وتجميد منظمة التحرير وتجريف مختلف المؤسسات من خلال وضع كل السلطات بيد السلطة التنفيذية وبيد الرئيس وبعض المساعدين، وأن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر وجودية  على القضية الفلسطينية.

حجج المقاطعة... لماذا يعتبرها آخرون الخيار الأكثر اتساقًا؟

في المقابل، يرى أنصار المقاطعة أن الانتخابات تحت الاحتلال لا يمكن أن تكون حرة ولا نزيهة ولا تحترم نتائجها، لأن أحد أطراف العملية السياسية هو الاحتلال نفسه، الذي يملك القدرة على التحكم في شروطها ونتائجها، سواء بمنعها، أو تعطيلها، أو اعتقال المرشحين، أو مصادرة نتائجها بعد إعلانها.
ويستند هذا الاتجاه إلى التجربة الفلسطينية ذاتها، التي أظهرت أن إسرائيل لم تتردد في تعطيل المؤسسات المنتخبة كلما تعارضت مع مصالحها. كما أن المجتمع الدولي، الذي يرفع شعار الديمقراطية، لم يتردد في فرض الحصار على الحكومة المنتخبة عام 2006، عندما جاءت النتائج مخالفة لتوقعاته.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الانتخابات قد تتحول إلى وسيلة تمنح شرعية جديدة لسلطة مقيدة باتفاقات أوسلو وظيفتها ادارة السكان تحت الاحتلال ومضطرة للتساوق معه لضمان مجرد بقائها، من دون أن تملك صلاحيات كبيرة ولا القدرة على أن تغير  من طبيعة هذه السلطة أو توسع صلاحياتها أو تمكنها من أداء دورها الوطني. وعندئذ تصبح الانتخابات أداة لإدارة الأزمة وتعميقها لا لحلها، وتعيد إنتاج النظام السياسي نفسه، وربما أسوأ، ولو بوجوه مختلفة.
كما يلفت هذا الاتجاه إلى أن التنافس الانتخابي في ظل غياب توافق وطني قد يعمق الانقسام بدلًا من تجاوزه، خصوصًا إذا جرى التنافس على سلطة محدودة الصلاحيات، بينما تبقى القضايا الوطنية الكبرى، مثل إعادة بناء منظمة التحرير، وصياغة استراتيجية وطنية موحدة، وتوفير مقومات الصمود للشعب وبقائه على أرضه، وبقاء قضيته حية، واحباط مخططات الآبادة والتصفية والضم والتهجير والفصل العنصري خارج جدول الأعمال.
ولا يقتصر الاعتراض على الاحتلال وحده، بل يشمل البيئة الداخلية أيضًا. فإجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام، وغياب الثقة بين القوى السياسية، وتزايد الهوة بين القيادة والفصائل والنخب بشكل عام وبين الشعب، وعدم توفر استقلال القضاء، والجدل حول القوانين الناظمة للعملية الانتخابية، يثير تساؤلات جدية حول قدرة الانتخابات على تحقيق أهدافها المعلنة.

بين المشاركة والمقاطعة... هل هو تعارض حقيقي؟

ورغم التباين الواضح بين الموقفين، فإن كليهما له شرعية وإن كانت شرعية المقاطعة في ظل هندسة الانتخابات التي تقوم بها القيادة الرسمية أكبر، ينطلق من الحرص على المصلحة الوطنية، وإن اختلف في تقدير الوسيلة الأنسب.
فأنصار المشاركة ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها فرصة ينبغي استثمارها، ولو كانت محدودة، لتجديد الشرعية وإعادة الاعتبار للمؤسسات.
أما أنصار المقاطعة فينظرون إليها باعتبارها في ظل الظروف الراهنة وضعف وعجز الحركة الوطنية بكل مكوناتها وعدم نشوء حركات وحراكات قادرة على النهوض بابشعب الفلسطيني حتى الآن،  عملية قد تضفي شرعية على واقع سياسي مختل، وتمنح الانطباع بوجود حياة ديمقراطية طبيعية، بينما يستمر الاحتلال في تقويض أسس هذه الحياة ويمضي في تحقيق أهدافه الجذرية التي تمثل مخاطر وتحديات وجودية.
ومن ثم، فإن الخلاف لا يدور حول قيمة الديمقراطية، وإنما حول مدى قدرة الانتخابات، في الظروف الراهنة، على تحقيق أهدافها الوطنية والديمقراطية.
غير أن هذا الجدل يغفل أحيانًا نقطة جوهرية، وهي أن المشاركة أو المقاطعة ليستا مبدأين ثابتين، بل خياران سياسيان يرتبطان بالسياق وبالشروط المحيطة بالعملية الانتخابية.
فالانتخابات قد تكون خطوة إلى الأمام إذا سبقتها تفاهمات وطنية، وتوفرت لها ضمانات معقولة للنزاهة، وأصبحت جزءًا من عملية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي.
وقد تتحول، في المقابل، إلى خطوة إلى الخلف إذا جرت في إطار الانقسام، أو صُممت لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة، أو استُخدمت لمنح شرعية جديدة لواقع سئ لا يتغير.
ومن هنا، فإن النقاش الأهم لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: هل نشارك أم نقاطع؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الشروط التي تجعل الانتخابات أداة لخدمة المشروع الوطني، لا مجرد آلية لتجديد شرعية سلطة محدودة الصلاحيات؟
هذه المقاربة تنقل النقاش من مستوى التكتيك السياسي إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية، وتفتح الباب أمام البحث في الدروس التي تقدمها التجربة الفلسطينية نفسها، وهي دروس لا تقل أهمية عن الجدل النظري حول المشاركة والمقاطعة.

ماذا تعلمنا التجربة الفلسطينية؟

إذا كان الجدل النظري حول الانتخابات تحت الاحتلال مهمًا، فإن التجربة الفلسطينية نفسها هي المعيار الأهم للحكم على جدوى الانتخابات وحدودها. فمنذ الانتخابات البلدية عام 1976 وحتى إلغاء الانتخابات العامة عام 2021، قدمت التجربة الفلسطينية دروسًا عميقة تؤكد أن الانتخابات ليست عملية إجرائية محايدة، بل جزء من الصراع السياسي مع الاحتلال ومن الصراع الداخلي على السلطة والبرنامج السياسي.
أولًا: انتخابات البلديات عام 1976... عندما انقلبت النتائج على أهداف الاحتلال
سمحت سلطات الاحتلال بإجراء الانتخابات البلدية في الضفة الغربية عام 1976 وهي تعتقد أن نتائجها ستؤدي إلى إفراز قيادات محلية مستعدة للتعامل معها، بما يضعف نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية ويخلق بديلًا عنها.
إلا أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات؛ إذ فاز عدد كبير من الشخصيات الوطنية المؤيدة لمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي، وتحولت البلديات إلى منابر لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية. وعندما اكتشفت إسرائيل أن الانتخابات أفرزت قيادة وطنية بدلًا من قيادة بديلة، قامت العصابات الصهيونية باغتيال ومحاولة اغتيال بعضهم عبر تفجير سياراتهم. ولجأت سلطات الاحتلال إلى عزل رؤساء البلديات، وإبعاد بعضهم، واعتقال آخرين، كما استبدلت المجالس المنتخبة بمجالس معينة. وهكذا أثبتت التجربة أن الاحتلال يقبل بنتائج الانتخابات ما دامت تخدم أهدافه، لكنه لا يتردد في الانقلاب عليها عندما تنتج واقعًا سياسيًا لا يريده.

ثانيًا: انتخابات 1996... شرعية لأوسلو أكثر من كونها انتقالًا ديمقراطيًا

جرت أول انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية عام 1996 في ظل اتفاق أوسلو، وأسفرت عن انتخاب ياسر عرفات رئيسًا، وتشكيل أول مجلس تشريعي فلسطيني. وقد قاطعت قوى رئيسية، وفي مقدمتها حركة حماس والجهاد الإسلامي والجهتين الشعبية والديمقراطية وعدد من الفصائل، هذه الانتخابات اعتراضًا على اتفاق أوسلو والإطار السياسي الذي قامت عليه.
حققت هذه الانتخابات إنجازات مهمة، أبرزها إنشاء أول مؤسسة تشريعية منتخبة، وإقرار القانون الأساسي، وممارسة قدر من الرقابة على الحكومة، وترسيخ بعض ملامح الحياة البرلمانية. غير أن هذه الإنجازات بقيت محدودة بسبب طبيعة السلطة نفسها، فهي سلطة حكم ذاتي انتقالي صلاحياتها محدودة و مقيدة بوظيفتها المحددة بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، ولا تمتلك السيادة على الأرض أو الحدود أو الموارد.
كما أن الاحتلال احتفظ عمليًا بحق تعطيل أي قانون أو قرار يتعارض مع مصالحه، الأمر الذي جعل المجلس التشريعي عاجزًا عن ممارسة سلطاته كاملة. ومع مرور الوقت وعدم اجراء الانتخابات في مواعيدها، تراجعت جدوى المجلس التشريعي وتآكلت شرعيته  ولم تستطع الانتخابات أن تغير طبيعة النظام السياسي الذي أفرزه أوسلو.
وهكذا منحت انتخابات 1996 شرعية شعبية للسلطة الناشئة، لكنها لم تغير موازين القوى مع الاحتلال، ولم تقرب الفلسطينيين من تحقيق الدولة المستقلة بالقدر الذي كان مأمولًا. وارتكب المجلس التشريعي خطأه الأكبر بتوفير غطاء لعملية اخضاع السلطة لشروط اللجنة الرباعية عبر استحداث منصب رئيس الحكومة ونقل الكثير من صلاحيات الرئيس الى رئيس الحكومة على أمل أن تلبي الحكومة الاشتراطات المطلوبة والتي راوغ عرفات في تلبيتها.

ثالثًا: انتخابات 2006... احترام الصندوق حتى تأتي النتائج غير المرغوبة

شكلت انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 محطة مفصلية في التاريخ السياسي الفلسطيني. فقد جرت الانتخابات بمشاركة معظم القوى السياسية، وأشادت بها الجهات الدولية باعتبارها انتخابات حرة ونزيهة، وأسفرت عن فوز قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي خلافا للتوقعات الأمريكية التي كانت تأمل باحتواء حركة حماس تحت مظلة سلطة اوسلو من خلال كونها أقلية عليها أن تخضع للأغلبية التي كانت التقدير أنها ستكون لحركة فتح، بينما تراجعت حركة فتح إلى المرتبة الثانية.
لكن ما إن ظهرت النتائج حتى بدأت مرحلة جديدة. فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل حصارًا سياسيًا وماليًا على الحكومة الجديدة، كما كلف الرئيس محمود عباس اسماعيل هنية بتشكيل الحكومة وهذا أمر جيد، ولكن الوزارات وخصوصا الأجهزة الأمنية لم تتعاون مع الحك مة، واعتقلت إسرائيل عددًا كبيرًا من الوزراء والنواب المنتخبين، ما أدى إلى شل عمل المجلس التشريعي عمليًا وصولا إلى قرار حله  عبر المحكمة الدستورية عام 2018. ثم تطورت الخلافات الداخلية إلى انقسام سياسي وجغرافي ومؤسسي عام 2007، انتهى بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وبقاء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
تكشف هذه التجربة عن حقيقة أساسية، وهي أن المجتمع الدولي يدعم الانتخابات ما دامت نتائجها تنسجم مع حساباته السياسية، لكنه لا يلتزم بالضرورة باحترام إرادة الناخب إذا جاءت النتائج مخالفة لتلك الحسابات. كما تؤكد أن الانتخابات وحدها لا تستطيع إدارة الانقسامات العميقة إذا لم يسبقها اتفاق على قواعد الشراكة الوطنية واحترام نتائج العملية الديمقراطية.
وهنا مهم الإشارة إلى أن اوروبا هي التي تطالب السلطة باجراء الانتخابات حاليا لاستكمال عملية الاصلاح ولكن بدون الموافقة على مشاركة حماس بدون نزع سلاحها والتخلي عن السلطة بغزة والتحول الى حزب سياسي، أما الولايات المتحدة فلم توافق، حتى الآن على اجراء الانتخابات  لأنها تركز على قطاع غزة وتطبيق خطة الرئيس ترامب، والتي تقضي بتغيير الحكم في القطاع ونزع سلاحه وتحول حماس إلى حزب سياسي حتى تقبل مشاركتها في النظام السياسي، وهذا ان تحقق بحاجة إلى شهور عديدة بينما الانتخابات مقررة في الثامن والعشرين من شهر تشرين ثاني القادم، وتنص الخطة التي دعمت بقرار مجلس الامن الدولي الذي تضمن أن مجلس السلام هو صاحب الولاية والمرجعية لقطاع غزة لمدة عامين تنتهي آخر العام القادم وقابلة للتمديد، وهذا يعني أنه بعد انتخاب المجلس التشريعي ستظهر حلة من إزدواجية الولاء والمرجعية والسلطة.

رابعًا: انتخابات 2021... التأجيل باعتباره قرارًا سياسيًا

في مطلع عام 2021 صدر مرسوم رئاسي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، فتقدمت عشرات القوائم للترشح، وبدت الساحة الفلسطينية مقبلة على أول انتخابات عامة منذ خمسة عشر عامًا. إلا أن القرار صدر بتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، مع تبرير ذلك برفض إسرائيل السماح بإجرائها في القدس الشرقية.
ولا شك أن القدس كانت، ولا تزال، قضية جوهرية لا يمكن التنازل عنها، وكان يمكن ولا يزال ممكنا الاتفاق على صيغة لإجراء الانتخابات فيها، لكن الرئيس لم يأخذ بذلك وهذا دفع كثيرًا من القوى السياسية لتعتقد أن هذا السبب لم يكن الوحيد ولا الرئيسي، وأن تقديرات نتائج الانتخابات، واحتمال خسارة القوى الحاكمة وضغوط اطراف مختلفة اولها دولة الاحتلال واطراف اقليمية ودولية على رأسها الولايات المتحدة، لعبت دورًا مؤثرًا وحاسما في قرار التأجيل.
وبغض النظر عن دوافع القرار، فقد كشفت هذه المحطة أكثر من أي وقت مضى، أن إجراء الانتخابات لا يتوقف على الإرادة الفلسطينية وحدها، بل يتأثر أيضًا بمواقف الاحتلال، وبالتوازنات الداخلية، وبالمواقف الإقليمية والدولية.

الدرس المستفاد من التجارب الأربع

تكشف المحطات السابقة عن مجموعة من الحقائق يصعب تجاهلها:
* أولًا، أن الاحتلال لم يتعامل يومًا مع الانتخابات الفلسطينية باعتبارها حقًا ديمقراطيًا للشعب الفلسطيني، بل تعامل معها من منظور مصالحه الأمنية والسياسية.
* ثانيًا، أن الانتخابات لم تستطع، في أي مرحلة، تجاوز القيود التي فرضها الاحتلال على السلطة الفلسطينية، أو تحويلها إلى سلطة ذات سيادة.
* ثالثًا، أن الانقسام الداخلي كان، في كثير من الأحيان، عاملًا لا يقل تأثيرًا عن الاحتلال في إضعاف المؤسسات المنتخبة وتعطيل دورها.
* ورابعًا، أن الانتخابات، رغم أهميتها، لم تكن قادرة على المساهمة الفاعلة بإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني أو إنهاء الانقسام، أو ٩بتحسين الاحوال وتحسين عوامل الصمود والبقاء، لأنها جرت في غياب توافق وطني على طبيعة المرحلة وأهدافها وقواعد إدارة الخلافات.
وهذا يقود إلى استنتاج بالغ الأهمية: إن أزمة النظام السياسي الفلسطيني ليست أزمة انتخابات أساسا ولا فقط، وإنما أزمة مشروع وطني، وأزمة قيادة وبنية ومؤسسات وبرنامج، وأزمة استراتيجية. فالانتخابات تستطيع أن تجدد الشرعية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد تعريف وظيفة السلطة، أو أن تعيد بناء منظمة التحرير، أو أن تضع استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال.
ومن هنا يصبح السؤال المطروح اليوم ليس: هل نجري الانتخابات؟ بل: كيف نجعل الانتخابات جزءًا من عملية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي والحركة الوطنية الفلسطينية، بدلًا من أن تتحول إلى محطة جديدة في إعادة إنتاج الأزمة؟

الانتخابات المقبلة... بين الحسابات الفلسطينية والقيود الإسرائيلية
لا يمكن تقييم فرص إجراء الانتخابات الفلسطينية المقبلة بمعزل عن البيئة السياسية التي ستجري فيها. فالانتخابات لا تعتمد على الإرادة الفلسطينية وحدها، وإنما تتأثر بعوامل داخلية وخارجية متشابكة، في مقدمتها الموقف الإسرائيلي، والموقف الأمريكي، والتوازنات الإقليمية، وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
فعلى المستوى الإسرائيلي، يصعب تصور أن توافق أي حكومة إسرائيلية، خصوصا الحالية، سواء كانت من اليمين أو من الوسط، على انتخابات فلسطينية تفضي إلى قيام قيادة وطنية موحدة تمتلك شرعية شعبية متجددة، إذا كان ذلك سيقيد قدرتها على مواصلة سياسات الضم والاستيطان وفرض الوقائع على الأرض. وقد تختلف الحكومات الإسرائيلية في الأساليب، لكنها تتفق، بدرجات متفاوتة، على منع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، وعلى الحفاظ على السيطرة الأمنية والسياسية على الأرض الفلسطينية.
أما الولايات المتحدة، فرغم تأكيدها المعلن أهمية الإصلاح والديمقراطية، فإن مواقفها العملية ترتبط بطبيعة نتائج الانتخابات أكثر من ارتباطها بإجرائها. فقد دعمت الانتخابات عندما اعتقدت أن نتائجها ستكون منسجمة مع رؤيتها السياسية، وعارضت أو تجاهلت نتائجها عندما جاءت مخالفة لتلك الرؤية. وهذا لا يعني رفضًا أمريكيًا مبدئيًا للانتخابات القادمة، بقدر ما يعكس رفض حتى الآن على الأقل و تغليب الاعتبارات السياسية والأمنية على الاعتبارات الديمقراطية.
وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالدعوة إلى الانتخابات تعكس حاجة حقيقية إلى تجديد الشرعية وإنهاء حالة الجمود المؤسسي، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بمخاوف لدى مختلف الأطراف خصوصا من القيادة الرسمية من نتائج قد تعيد رسم موازين القوى داخل النظام السياسي خصوصا بعد قرار حماس المشاركة في الانتخابات والأنباء عن بدء مشاورات لتشكيل قائمة وطنية واسعة تضم التيار الإصلاحي وحماس وعدة فصائل أخرى وشخصيات وطنية وفتحاوية يجمعها عدةوأمور أبرزها انهاء التفرد في القرار والمؤسسة الفسطينية. ومن هنا تبرز محاولات التأثير في البيئة الانتخابية من خلال القوانين، وشروط الترشح، وشكل النظام الانتخابي، وغيرها من الإجراءات التي قد تحول المنافسة من تنافس على البرامج الوطنية إلى تنافس على المواقع والنفوذ. ومن هنا يكون الحديث المتزايد وجيها عن تأجيل الانتخابات إلى أن تتضح نتائج الانتخابات الإسرائيلية اولا ومصير الحرب الأمريكية الآسرائيلية ثانيا والانتخابات النصفية الأمريكية ثالثا.
هناك الكثير من الأسباب التي قد تدفع لتأجيل الانتخابات، اولا وأساسا رفض حكومة نتنياهو بن غفير سموترايش، فهي من الصعب جدا إن لم نقل من المستحيل أن توافق على إجراء الانتخابات، وثاني عامل انتظار الموافقة الأمريكية لأن الموافقة الأوروبية لوحدها لا تكفي،، وثالث عامل الخشية من إجرائها في ظل أزمات السلطة المالية وعدم قدرتها على دفع رواتب كاملة، ووصول البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، واستمرار حرب الإبادة والتهجير في غزة وهجوم المستوطنين وجيش الاحتلال في الضفة والذي وصل منذ بداية هذا العام إلى شن أكثر من خمسين اعتداء في ابيوم الواحد، وتفجر فضائح فساد من مسؤول المعابر السابق الى أزمة الوقود والمعابر، إلى تداعيات عقد مؤتمر فتح الأخير والتي تجعل عبارة مثل أن فتح ستهزم نفسها اذا لم ترتب صفوفها، فهناك العديد من القوائم الفتحاوية، وهناك الأسير القائد مروان البرغوثي الذي أكد عزمه على خوض الانتخابات الرئاسية وهو مرشح للفوز فيها بدون منازع، وهذا يعني إذا لم ترشحه قائمة فتح الرسمية للرئاسة سيشكل قائمة أشار الاستطلاع المذكور انها ستتصدر القوائم كلها. إن نتائج استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث المسحية يشعل كل الأضواء الحمراء ليس لفتح لوحدها بل لحماس أيضا ولكل الحركة الوطنية والنخب الحاكمة والمعارضة.

هل يمكن أن تؤدي الانتخابات إلى التغيير؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست نعم أو لا بصورة مطلقة.
فالانتخابات قد تكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي إذا جاءت في إطار عملية إصلاح شاملة، وسبقتها تفاهمات وطنية، واحترمت نتائجها، وترافقت مع إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، والاتفاق على برنامج وطني مشترك.
أما إذا جرت في ظل استمرار الانقسام، كما حاصل حتى الآن، ومن دون توافق على قواعد اللعبة السياسية، وفي ظل احتلال يحتفظ بحق تعطيل النتائج متى شاء، فإنها قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة، بدلًا من حلها.
ولهذا، فإن المبالغة في التعويل على الانتخابات بوصفها حلًا سحريًا لا تقل خطورة عن رفضها بالمطلق. فالتجربة الفلسطينية تثبت أن الانتخابات ليست بديلًا عن المشروع الوطني، كما أن المشروع الوطني لا يستطيع الاستغناء عن الشرعية الديمقراطية.

ما هي شروط الحد الأدنى لانتخابات ذات معنى؟

إذا تقرر المضي في الانتخابات، فمن الضروري السعي إلى توفير حد أدنى من الشروط التي تمنحها مضمونًا وطنيًا وديمقراطيًا، من أهمها:
* أولًا، التوافق الوطني على أن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، وإنما خطوة ضمن خطة و عملية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
* ثانيًا، الاتفاق على برنامج وطني يعبر عن القواسم المشتركة، ويحدد الأولويات في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها وقف الحرب، والتصدي لمشاريع الضم والتهجير، وتعزيز صمود الفلسطينيين، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
* ثالثًا، ضمان حياد مؤسسات السلطة، واستقلال لجنة الانتخابات والقضاء، وتكافؤ الفرص بين جميع القوائم والمرشحين.
* رابعًا، توفير رقابة فلسطينية فعالة على العملية الانتخابية، لأن الرقابة الدولية، رغم أهميتها، لا تستطيع أن تحل محل الرقابة الوطنية.
* خامسًا، الالتزام المسبق باحترام نتائج الانتخابات، والاحتكام إلى القانون في معالجة الطعون والخلافات، وعدم اللجوء إلى القوة أو الإقصاء أو التعطيل.
* سادسًا، ربط الانتخابات بخطة واضحة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، بحيث لا يبقى النظام السياسي منقسمًا بين مؤسسات منتخبة داخل الأراضي المحتلة ومؤسسات تمثيلية خارجها.

الانتخابات وسيلة لا مشروع

تخلص هذه الدراسة إلى أن الجدل الدائر بين المشاركة والمقاطعة، على أهميته، لا يلامس جوهر الأزمة الفلسطينية إلا جزئيًا. فالأزمة ليست أزمة انتخابات، وإنما أزمة مشروع وطني ونظام سياسي ووحدة وطنية و تمثيل حقيقي لا شكلي للفلسطينيين.
فالانتخابات ليست قيمة مطلقة، كما أنها ليست شرًا مطلقًا. إنها أداة سياسية، تتحدد قيمتها بقدرتها على خدمة الأهداف الوطنية والديمقراطية معًا. وقد تكون خطوة إلى الأمام إذا جاءت في إطار توافق وطني، ورؤية استراتيجية، وإرادة حقيقية للإصلاح، وقد تتحول إلى خطوة إلى الخلف إذا استُخدمت لإعادة إنتاج الانقسام، أو لتجديد شرعية سلطة عاجزة عن أداء دورها الوطني.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن المشاركة أو المقاطعة هو: أي نظام سياسي يحتاجه الفلسطينيون في هذه المرحلة؟ فإذا كانت المرحلة هي مرحلة تحرر وطني تواجه فيها القضية الفلسطينية أخطر تحدياتها منذ عقود، فإن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء الحركة الوطنية ومؤسساتها على أسس الشراكة والتعددية والديمقراطية، وبما يجعل الانتخابات جزءًا من مشروع التحرر الوطني، لا بديلًا عنه.
إن المطلوب ليس الاختيار بين الوطني والديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي، بل الجمع بينها. فلا تحرير مستدامًا من دون مشاركة شعبية ومؤسسات شرعية وخاضعة للمساءلة، ولا ديمقراطية حقيقية تحت الاحتلال إذا تحولت إلى مجرد آلية لإدارة الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في صياغة عقد وطني جديد يحدد الأهداف الكبرى، وقواعد الشراكة، ووظيفة السلطة، والعلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وأشكال النضال المناسبة لكل مرحلة. وعندها تصبح الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية داخل إطار وطني جامع، لا ساحة جديدة للصراع على سلطة محدودة الصلاحيات.
وبذلك، لا يكون السؤال: هل نجري الانتخابات أم نقاطعها؟ بل: كيف نجعل الانتخابات، إذا جرت، رافعة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وتعزيز صمود الشعب، وفتح أفق جديد للنضال من أجل الحرية والاستقلال؟
بهذا المعنى، تصبح الانتخابات إحدى أدوات الكفاح الوطني، وليست بديلًا عنه؛ وجزءًا من مشروع التحرر، لا غاية قائمة بذاتها.
وما لا يدرك كله لا يترك جله، وما دام المطلوب والمفترض غير متحقق فالتركيز يجب أن يكون على تحقيق أقصى وأفضل الممكنات، وعلى ما يتفق على تحقيقه.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية