في مدينة البيرة، حيث تغزل الأيام حكاياتها على جدران الزمن،
نقف أمام رجلٍ لا يُنسى…
حامِلُ راية الرياضة والإنسانية،
أمين فهمي عابد.
قصة هذا الرجل ليست حكاية بطولةٍ عابرة،
بل هي أسطورةٌ صاغها بيده،
شخصٌ بدأ رحلته صغيرًا،
حاملاً حلمًا ضخمًا لا يعرف المستحيل.
كان ابن السادسة عشرة، الفقير الطموح،
ذلك الفتى الذي لا يملك إلا العزيمة،
والإرادة التي تحطّم كل القيود.
لم يكن هناك من يُمد له يد العون،
ولا مدربٌ يرشده،
كان هو نفسه المدرب،
والطريق،
والقوة التي تدفعه للأمام.
بدأ يتنقل بين الأحلام،
من المراتب المتواضعة إلى منصات التتويج العالمية،
رفع اسم فلسطين عاليًا في كل منافسة،
حطّم الأرقام،
وكتب اسمه بين عظماء كمال الأجسام.
في عام 1998، وقف أمين على منصة البطولة العالمية في تركيا،
مرتبة 12 عالميًا،
إنجازٌ لم يسبق له مثيل،
يُسطّر فخرًا لكل رياضي فلسطيني.
ليس هذا فحسب،
بل كانت له مشاركات لامعة في البحر الأبيض المتوسط (قبرص)،
والمسابقات العربية في الأردن ودبي،
حيث حصد مراكز شرفية وفضول الكبار.
أما محليًا، فقد كان البطل الأول،
الذي صمد عبر خمس عشرة بطولة وطنية،
يحمل جسدًا بطلًا وروحًا لا تُهزم،
حتى مع اقتراب الستين من عمره.
لكن الحياة، كما تعلّمنا، لا تعرف إلا المزيج بين الفرح والوجع…
كبرَ قبل أوانه…
وشيّب الحزنُ شعر أمين،
حتى ابيضّت مقلتاه من البكاء،
منذ أن رحل مجد… فلذة كبده،
ومشجّعه الأوّل،
ووريث شغفه بالحديد وبطولات الجسد.
نعم… لقد خارت قواه،
بكى كثيرًا… حتى لم يَعُد يدري أين أخذه الزمن،
فالصّدمة غيّرته،
وانكسر شيءٌ عميقٌ بداخله…
كأنّ قلبه أُفرغ من الحياة،
كأنّ الحياة نفسها انزاحت عن كتفيه.
شعرَ أمين أن الدنيا تنهار حوله رويدًا رويدًا،
كرهَ كلّ شيء…
أراد أن يطوي الصفحة،
أن ينزل إلى حيث جُرح القلب،
ويبيت هناك…
عند حافة الغياب،
يبكي ولده… ويرثي نَفْسه.
حين فقد مجد،
بدأ حبل الأمل ينفلت من يديه،
لكن صوتًا ما… كان طيف مجد،
يزوره في المنام،
يرجوه أن ينهض مجددًا،
ويصنع حلمًا جديدًا…
قلعةً رياضية للبيرة،
مظلةً لأحلام الأجيال القادمة.
انهض يا أبي… لا تنكسر،
ازرع المجد من رماد وجعي،
واصل الطريق، أكمل الحكاية التي بدأناها معًا،
ابنِ قلعة البيرة الرياضية، كما وعدتني،
اجعلها تصدح في سماء الوطن،
واجعلها مظلةً لأحلام الصغار،
وامتدادًا لنبضي الذي لن يخبو…
هيا يا أبي، اجعل من وجعي حياة، ومن حزنك انبعاثًا.
فنهض أمين،
كعادته، لم يستسلم،
قطع عهدًا مع نفسه،
أن يواصل الطريق،
أن يُعيد لرياضة البيرة مجدها الضائع.
لم يكن فقط رياضيًا،
بل كان حارسًا لصروح الخير والعطاء،
داعمًا لكل مبادرة إنسانية،
يقدّم دون أن ينتظر جزاءً،
يمدّ يد العون لكل محتاج،
يرعى الأبطال الذين لا يملكون المال،
ويزرع بذور الأمل في قلوب الفقراء.
جمعية علالي الخير تعرف جيدًا من يكون هذا الرجل،
الذي غرس في البيرة محبةً وعطاءً،
ومَنحَةً لا تنضب.
هو أمين عابد،
ذاك العنوان الذي يحتفي به كل من عرفه،
رمزًا للصبر والمثابرة،
وأيقونة الرياضة في كمال الأجسام الفلسطينية.
لذا، نقول له اليوم:
شكرًا لأنك أمين،
شكرًا لأنك حملت اسم مجد في قلبك،
وشكرًا لأنك لم تتوقف عن القتال من أجل الرياضة،
من أجل فلسطين،
ومن أجل البيرة التي ما زالت تصدح بذكرك،
عاليًا… أبداً.
* صفحة جمعية علالي الخير
رياضة



