الكاتب : د. ضرغام عبد العزيز
* المقدمة:
تلعب الرياضات القتالية دوراً مهماُ في المشهد الرياضي الفلسطيني، حيث أحرز اللاعبون الناشئون في هذه الرياضات إنجازات بارزة في مراحل عمرية مبكرة. غير أن ما يلفت الانتباه هو تراجع أداء العديد من هؤلاء الأبطال بعد بلوغهم سن 18 عاماً، وهي المرحلة التي يفترض أن تشهد انطلاقتهم نحو المستويات العليا والاحتراف. فما الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع؟ وكيف يمكن التصدي لها لضمان استمرارية الإنجاز الرياضي؟
** أولًا: تحليل العوامل المؤثرة:
أ. عوامل فنية وتدريبية:
يُلاحظ وجود فجوة واضحة في الانتقال من التدريب السني إلى التدريب التخصصي. فكثير من اللاعبين لا يجدون بيئة تدريبية متقدمة بعد بلوغهم سن 18، مما يؤدي إلى جمود أدائهم أو انسحابهم. كما أن قلة المعسكرات الدولية وندرة فرص الاحتكاك بمستويات عالية تُفقد اللاعب حس التحدي والمنافسة. يُضاف إلى ذلك النقص في عدد المدربين المؤهلين لتدريب فئة الكبار، وهو ما يضعف تطور الأداء الفني.
ب. عوامل نفسية واجتماعية :
يواجه اللاعب في هذه المرحلة ضغوطاً متزايدة، سواءً من ناحية الالتحاق بالجامعة أو الاضطرار للعمل لتأمين مصدر دخل. في ظل غياب الدعم النفسي والتوجيه الرياضي المهني، يشعر كثير من اللاعبين بالضياع. كما أن نظرة المجتمع السلبية للاحتراف الرياضي، واعتباره ترفاً أو مضيعة للوقت، تضعف الحافز الداخلي لدى الرياضيين الشباب.
ج. عوامل إدارية ومؤسساتية :
تفتقر المؤسسات الرياضية إلى برامج نخبة مستدامة تستهدف الفئة العمرية بعد 18عاما . كما أن انعدام الحوافز المادية أو الوظيفية أو حتى التعليمية يجعل من الاستمرار في الرياضة قراراً صعبًا للاعب وأسرته. ويزيد الطين بلّة ضعف التنسيق بين الأندية والاتحادات من جهة، والجهات التعليمية والجامعية من جهة أخرى.
** ثانيًا: مقارنات واقعية:
في الواقع الفلسطيني، سُجّلت حالات عديدة للاعبين برزوا في بطولات الناشئين ثم اختفوا بعد سن 18 بسبب العوامل المذكورة أعلاه. على النقيض، نجحت دول عربية مثل مصر والأردن والمغرب في إنشاء مسارات مستدامة لتأهيل اللاعبين نحو الاحتراف، مستفيدة من الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الخاصة.
أما على المستوى العالمي، فهناك تجارب رائدة مثل اليابان، التي تعتمد نظاماً متكاملاً لدمج التعليم الجامعي مع التدريب الرياضي، وفرنسا التي تقدم منحاً ومراكز نخبة مخصصة، وتركيا التي توفر امتيازات كبيرة للاعبين الوطنيين.
** ثالثًا: الآثار المترتبة على التراجع:
إن تراجع أداء اللاعبين بعد سن 18 يؤدي إلى:
1.فقدان المواهب الوطنية في مرحلة حاسمة.
2.ضعف التمثيل في الفئات العليا للمنتخبات الوطنية.
3.انقطاع مسار التطور الفني، ما يضعف جاهزية الفرق في البطولات الدولية.
** رابعًا: توصيات عملية:
لمعالجة هذا التحدي، تُقترح الخطوات التالية:
1. إطلاق برنامج وطني للنخبة يستهدف فئة ما بعد 18 عاماً، بدعم من الاتحاد واللجنة الأولمبية.
2. توفير تفرغات رياضية وجامعية مرنة للاعبين المميزين.
3. بناء شراكات مع القطاع الخاص لرعاية اللاعبين وتأمين منح ودعم مادي.
4. تأهيل مدربين متخصصين بفئة الكبار وتوفير فرص تطوير مهني لهم.
5. توسيع قاعدة المشاركة الدولية عبر معسكرات وبطولات خارجية مستمرة.
** الخاتمة:
تُعدّ مرحلة ما بعد 18 عاماً البوابة الحقيقية نحو الاحتراف، وليست نهاية الطريق كما تبدو في الواقع المحلي. ولتحقيق إنجازات رياضية مستدامة، لا بد من إعادة بناء المنظومة الداعمة للاعبين في هذه المرحلة المفصلية، وإزالة العوائق الفنية والنفسية والمؤسساتية التي تعيق تطورهم. وحده الاستثمار الذكي والمتكامل في هذه الفئة يمكن أن يحفظ مستقبل الألعاب القتالية في فلسطين ويصنع أبطالاً حقيقيين على الساحة الدولية.
*نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للكاراتيه/ رئيس اتحاد شوتوكان كاراتيه دو الفلسطيني SKIFP.



