في عصر يهيمن عليه منطق "الفعّالية السريعة" وثقافة "النتائج الفوريّة"، تتعرض الفنون القتالية التقليدية مثل الأيكيدو، والكراتيه، والجودو لسخريةٍ ممن يرونها مجرد "رقصاتٍ طقوسية" أو "ترفيهٍ تاريخي"، دون إدراكٍ لعمقها الفلسفي، وفعّاليتها العلمية، ودورها في صقل الإنسان جسدياً وروحياً. هذا الاستهزاء لا يعكس فقط جهلاً بجوهر هذه الفنون، بل يكشف عن قصورٍ في فهم طبيعة التطور البشري، الذي لا يُقاس بالضربات وحدها، بل بالتكامل بين العقل، والجسد، والقيم.
الخلط بين "الفعالية القتالية" و"الفعالية الوجودية":
أبرز انتقادات المُستهزئين تتمحور حول "عدم واقعية" الفنون التقليدية في مواجهة فنون القتال الحديثة مثل الـMMA أو الملاكمة. لكن هذا النقد يقع في فخ اختزال الغاية من الفنون القتالية في "الهزمية" وحدها. فالأيكيدو، مثلاً، لا يُعلّم القوة البدنية الخام، بل يُركّز على تحويل طاقة الخصم ضد نفسه، وهو مبدأٌ يعتمد على الفيزياء (قوانين الحركة والاتزان)، وعلم النفس (قراءة نوايا الخصم). الدراسات في مجلة العلوم الرياضية (2018) أظهرت أن ممارسي الجودو يتمتعون بوعيٍ حركيٍ فائق، وقدرةٍ على التكيف العصبي العضلي تفوق غيرهم، بفضل تدريبات "الرمي" و"التحكم" التي تنمي التنسيق بين الدماغ والجسد.
الفنون القتالية كـ"مختبرات للسلوك البشري":
السخرية من البُعد الأخلاقي للفنون التقليدية مثل التأمل في الكاراتيه، أو مبدأ "اللاعنف" في الأيكيدو تجاهلٌ لدورها في بناء الصحة النفسية. فبحسب دراسة نُشرت في دورية علم النفس الرياضي (2021)، تمارين الفنون القتالية اليابانية تخفض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة 40%، وتعزز القدرة على التركيز، نظراً لدمجها بين الحركة والتنفس الواعي. هذه الفنون ليست "رياضة" فحسب، بل هي أنظمةٌ متكاملةٌ لتنمية المرونة العصبية، كما تؤكد أبحاث علم الأعصاب.
لماذا ينجح النقد الجائر؟ ثقافة "النتيجة السطحية":
انتشار ثقافة الـ"إنفلونسرز" الرياضيين، والتركيز الإعلامي على الرياضات الصدامية، غذّى صورة نمطية بأن "الفن الحقيقي" هو ما ينتج ضرباتٍ مدمّرةً في الحلبة. لكن هذه الرؤية تتعامى عن حقيقة أن الفنون التقليدية صُممت أصلاً لتجنب العنف، لا لإنتاجهِ. الجودو الذي يعني "الطريق اللين" سسه جيغورو كانو ليكون أداةً لتنمية الشخصية، وقد أدرجته اليونسكو كتراثٍ إنساني لارتباطه بقيم التعاون والاحترام.
الفنون التقليدية في الميزان العلمي:
حتى في الجانب القتالي البحت، تثبت الدراسات أن التقنيات التقليدية ليست عديمة الجدوى. على سبيل المثال، تحليل بيوميكانيكي لضربات الكاراتيه في مجلة القوة والتكيّف (2020) أكد أن سرعة وقوة اللكمة التقليدية (الـ"تشوكي زوكي") تعادل 80% من قوة لكمة الملاكم المحترف، مع تفوّقها في الدقة. كما أن تقنيات الجودو تُدرّس اليوم في برامج تدريب الجيوش والشرطة العالمية لفعّاليتها في السيطرة على الخصم دون إيذائه.
الاستهزاء بالتقليدي هو استهزاء بالتنوع البشري:
الاستهانة بالفنون القتالية التقليدية ليست مجرد رأي فردي، بل انعكاسٌ لثقافةٍ تستبدل "القيمة الجوهرية" بـ"القيمة الاستهلاكية". هذه الفنون، عبر قرون، حافظت على مجتمعاتٍ من خلال غرس الانضباط، والتضامن، والاحترام. التحدي الحقيقي ليس في إثبات "تفوّقها" على غيرها، بل في إعادة تعريف "النجاح" ذاته: فالإنسان الذي يصقل شخصيته عبر الفنون القتالية—كما يقول الفيلسوف الياباني تسوجيغوتشي هو من ينتصر على ذاته أولاً، قبل أن يبحث عن انتصاراتٍ وهميةٍ على الآخرين.
كما أن السخرية منها تُهمّش تراثاً إنسانياً حوّل القتال من فعلٍ همجي إلى فنٍّ راقٍ، وهو درسٌ نفتقده في عالمٍ يقدّس القوة الخام دون حكمة.
* عن صفحة "سيراج اكيدو"



