الكاتب : تسفي هارئيل
في "حماس" يأملون أنه إذا نجحوا في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، فإن مكانتهم في الساحة الدولية سترتفع وربما تطغى على مكانة السلطة الفلسطينية – التي فشلت في البقاء ذات صلة.
من المأمول أن تنتهي المرحلة الأولى من المفاوضات اليوم (الاثنين) بإعلان وقف إطلاق النار الذي سيؤدي إلى إطلاق سراح عشرة رهائن أحياء، وتسليم جثامين بعض القتلى من غزة – بعد عملية طويلة، مؤلمة ومليئة بالتوتر. ستكون هذه ستين يوماً طويلة كالأبد، دون أي يقين بأنها لن تُختصر، وأن الحرب – التي باتت تُدار دون أهداف حقيقية – لن تتجدد.
المفاوضات التي جرت حتى الآن، بما في ذلك الصيغة المجددة – والتي كان بالإمكان تحقيقها وتطبيقها قبل عدة أشهر – ليست سوى مرحلة واحدة في المفاوضات. من الأدق القول إنها مفاوضات تمهيدية لمفاوضات لاحقة. في المرحلة القادمة، حيث ستستمر حماس في احتجاز عشرة رهائن أحياء وجثث القتلى، ستسعى حماس لجني الثمرة السياسية الأهم من منظورها: إنهاء الحرب بالكامل، انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم أجزاء القطاع، وبدء عملية إعادة الإعمار.
بافتراض أن المرحلة الأولى من الصفقة ستنجح – وهو افتراض يغلب عليه التفاؤل أساساً بسبب تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – فإن الطرفين سيصلان إلى المفاوضات الجوهرية وهناك هوّة شاسعة تفصل بين مواقفهما. إسرائيل تطمح إلى القضاء على وجود حماس عسكرياً وسياسياً في القطاع، نفي قيادتها، وتفكيك ما تبقى من سلاحها، وتدفيع مليوني فلسطيني في القطاع الثمن وحتى ربما استئناف الاستيطان وتطهير "خطيئة الانسحاب".
في المقابل، ترى حماس أمامها سيناريوً تكون فيه "جهة فلسطينية" (وربما عربية) ما هي التي تتولى إدارة القطاع. وفقاً للمخطط الذي اقترحته مصر قبل نحو نصف عام، فإن الوجود الإسرائيلي سيختفي أو سيقتصر على مناطق ضيقة متفق عليها على طول الحدود، وسيُسمح لعناصر حماس، بالتعاون مع الإدارة الجديدة التي ستُقام في غزة، بالتأثير على إعادة الإعمار حتى وإن لم يشغلوا مناصب رسمية. وستتمكن قيادة حماس من عرض هذا الاتفاق على أنه نصر أو إنجاز استراتيجي كبير.
في هذا التصور، لا يوجد خلاف جوهري بين "حماس الخارج" و"حماس الداخل"، والجهد لتحديد من يسيطر أكثر هو جهد غير ضروري لأن المواقف في القضايا الأساسية متطابقة تقريباً.
حماس ترى في مفاوضات وقف إطلاق النار وصفقة الأسرى ليس فقط وسيلة لضمان بقائها المادي في غزة، بل جزءاً لا يتجزأ من الصراع على مستقبل كافة الأراضي الفلسطينية. من وجهة نظرها، على التنظيم أن يستعد لمرحلة ما بعد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير. وربما تأمل حماس أن تتمكن خلال صراع الخلافة، الذي لن يكون شخصياً فقط بل بنيوياً وتنظيمياً، أن تعتمد على خصوم عباس الذين لم يتوقفوا طوال الحرب عن طرح مقترحات لتغيير بنية منظمة التحرير بطريقة تشمل حماس ضمنها.
مسؤول فلسطيني بارز ومعارض لعباس قال لصحيفة "هآرتس" إن في أروقة منظمة التحرير يوجد تخوّف من أن المفاوضات الجارية تضع حماس في موقع أعلى من مكانة السلطة والمنظمة كممثلين للشعب الفلسطيني. وقال المسؤول: "حماس أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية بطريقة لم يتمكن عباس من تحقيقها قط". وأضاف: "هجومها على إسرائيل الذي أدى إلى دمار غزة ومقتل عشرات الآلاف من الأبرياء جعل من القضية الوطنية مسألة تخص غزة ومكانة حماس فقط".
ومع ذلك، أضاف المسؤول "لا يمكن إنكار أن هذا الهجوم أوقف مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، وحوّل السعودية إلى داعمة لحل الدولتين". وأوضح أنه حتى خلال الحرب، لم ينجح عباس في إقناع السعودية أو دول عربية أخرى بالوقوف بحزم خلف هذا الحل كما يفعلون الآن.
وفقاً لنفس المصدر، فإن حقيقة أن حماس، لأول مرة في تاريخها، تدير الآن مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة وتُفعّل قطر ومصر وتركيا، يضعها في مركز التحركات السياسية الدولية. ويأمل التنظيم في استثمار هذا الإنجاز حين تبدأ المناقشات الداخلية الفلسطينية حول مستقبل التمثيل الوطني. وقال: "نحن في منظمة التحرير، وخاصة في فتح، فشلنا لأننا لم نستطع تقديم بديل مقنع للأمريكيين يمكن أن يكسب دعمهم لاستعادة غزة إلى سيطرة السلطة، حتى خلال فترة ولاية الرئيس بايدن". وأضاف: "لست متأكداً أن بايدن كان يمكنه ممارسة ضغط على نتنياهو، الذي وصف السلطة كتنظيم شبيه بحماس، لكن كان يمكن على الأقل أن يُوضع في موقف محرج".
المسؤول يعتقد أن السلطة كان يجب أن تنفّذ سلسلة من الإصلاحات العميقة، وأن تعين شخصيات كفؤة في مناصب مركزية، وأن تطرح مبادرة مفصلة لإدارة القطاع، وأن تصر على أن تكون جزءاً من المفاوضات – لكن، بحسب قوله، عباس لم يرتقِ إلى مستوى الحدث. وقد رفض رئيس السلطة المقترح المصري (الذي تضمن لجنة خبراء لا تتبع السلطة لإدارة القطاع)، لأنه اعتبره مسّاً بصلاحياته وانفصالاً عن الضفة الغربية. وقال المسؤول: "عن أي صلاحية يتحدث؟ لقد فُقدت في 2007 حين سيطرت حماس على القطاع". وأضاف: "اليوم لست متأكداً أن الحديث عن إدخال السلطة كبديل لحماس لا يزال ذو صلة. التحالف بين نتنياهو وترامب ضد إشراك السلطة هو كالجدار الحصين، ونحن نرى أن حتى دولاً عربية مركزية مثل السعودية أو مصر لا تنجح في اختراقه".
إسرائيل من ناحيتها ترى فقط الهدف التكتيكي الفوري – القضاء على حماس – وتتعامل معه كهدف مستقل عن السياق العام في الأراضي الفلسطينية. لكن الصراعات الداخلية والانقسامات في أوساط منظمة التحرير ستكون لها انعكاسات على العلاقة بين إسرائيل والسلطة – بافتراض أن إسرائيل ستستمر في الاعتماد على السلطة كجسم يدير الحياة المدنية ويخفف عنها عبء إدارة الضفة الغربية بشكل مباشر.
في محادثات مع شخصيات إسرائيلية مسؤولة عن التنسيق مع السلطة، لم يُسمع أن هناك أي تخطيط عملي لما بعد خروج عباس من المشهد وبدء صراع الخلافة. وقال مصدر إسرائيلي يعمل على التعاون الاقتصادي مع السلطة لـ"هآرتس": "السياسة اليوم تقول: سنعبر الجسر عندما نصل إليه. حتى ذلك الحين، نتصرف كأن عباس سيعيش للأبد. لكننا لا نعرف حتى إن كانت البنية الاتفاقية التي تنظّم التعاون الاقتصادي ستستمر".
هذا المصدر يشعر بقلق خاص من الطريقة التي تنوي بها إسرائيل إدارة القطاع خلال فترة وقف إطلاق النار وخاصة بعدها. وقال: "الخلاف حول توزيع المساعدات الإنسانية أصبح مسألة استراتيجية مفهومة – الهدف هو قطع حماس عن شريان التوزيع الذي يمنحها مكاسب مالية وسيطرة على نمط الحياة. لكن المسألة أكبر من ذلك بكثير. كم من الوقت يمكنك أن تحتفظ بمليوني إنسان فقط على حزم مساعدات؟ في مرحلة ما، وسريعاً، يجب إعادة بناء البنية التحتية للصحة، المياه، الوقود، الكهرباء، التعليم، الأمن الشخصي، والعدالة".
وأضاف أن التفكير في إمكانية نسخ نموذج الحكم المدني والعسكري من الضفة الغربية إلى غزة هو وهم. "في الضفة توجد بنية اقتصادية وتعليمية وإدارية تعتمد على قوى محلية تديرها"، وأشار إلى وجود بلديات، محاكم، مدارس وجامعات. "هذه بنية بعيدة عن الكمال، لكنها موجودة. في غزة لا يوجد شيء. كل شيء يجب أن يُبنى من الصفر وبتمويل دافع الضرائب الإسرائيلي".
هذا هو حقل الألغام الذي ينتظر إسرائيل. ولكي تعبره، على الحكومة أن تقرر: هل ستتجه إلى احتلال مباشر وكامل للقطاع، يتضمن إقامة حكم عسكري ومدني؟ أم أنها ستوافق على نقل الإدارة المدنية إلى جسم فلسطيني وفق النموذج الذي اقترحته مصر؟ إذا اختارت إسرائيل الخيار الأول، فستبقى وحيدة، دون دعم أو تبرعات من دول أجنبية – عربية أو غربية. أما نقل الإدارة، فقد يجلب دعماً عسكرياً من دول عربية، لكنه سيُلزم إسرائيل بالتنازل عن معظم سيطرتها العسكرية في غزة.
* "هارتس"



