القدس-واثق نيوز-تمر القضية الفلسطينية بمرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها تداعيات العدوان الإسرائيلي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، واتساع الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتشديد القيود على الحركة والتنقل، مع استمرار الأزمة الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، وتزايد المخاوف من اتساع المواجهة العسكرية لتشمل ساحات إقليمية متعددة.
ولا تنحصر انعكاسات هذه التطورات في الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني، وقدرته على حماية المجتمع، وصون الحقوق الوطنية، وتجديد شرعيته الديمقراطية، واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساته.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع الانتخابات الفلسطينية بوصفها استحقاقاً إجرائياً منفصلاً عن الواقع السياسي والأمني والجغرافي. فالانتخابات العامة، لكي تعبّر عن الإرادة الشعبية، ينبغي أن تتوافر لها شروط المشاركة الحرة والمتكافئة، وإمكان وصول الناخبين والمرشحين إلى صناديق الاقتراع، وضمان مشاركة القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها المناطق المحاصرة والمقيّدة الحركة.
وكانت لجنة الانتخابات المركزية والقيادة الفلسطينية، قد اكدتا في مراحل سابقة، أهمية مشاركة القدس في الانتخابات العامة ترشحا وانتخابا . كما نص المرسوم الرئاسي الصادر في 30 نيسان/أبريل 2021 على تأجيل الانتخابات إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس.
وتتطلب المرحلة الراهنة قراءة متأنية للعلاقة بين الاستحقاق الانتخابي وضرورة تجديد الشرعية، من جهة، ومخاطر إجراء انتخابات لا تتوافر فيها ضمانات المشاركة الشاملة، من جهة أخرى.
الانتخابات في ظل التصعيد الإسرائيلي ..
إن إجراء الانتخابات في ظل استمرار القيود الإسرائيلية يثير مجموعة من الإشكاليات السياسية والقانونية والوطنية، أبرزها: حرمان المقدسيين من المشاركة الكاملة في العملية الانتخابية، ترشحاً وتصويتاً، يمس مبدأ وحدة الأرض والشعب، ويضعف إمكانية انعكاس الإرادة الشعبية الفلسطينية بجميع مكوناتها.
وفي قطاع غزةفإن الدمار الواسع، والأوضاع الإنسانية والأمنية الاستثنائية، والقيود المفروضة على الحركة والعمل المؤسسي، تطرح أسئلة جدية حول سلامة العملية الانتخابية وإمكان تنظيمها بصورة حرة وشاملة.
اما الضفة الغربية فإن الحواجز والإغلاقات واعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية تفرض تحديات أمام تنقل الناخبين والمرشحين والكوادر الانتخابية، وتؤثر في قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية.
وفيما يخص المخاطر الإقليميةفإن احتمال اتساع المواجهة العسكرية يفرض الاستعداد لسيناريوهات قد تؤثر في الأمن الفلسطيني، وفي الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، وفي قدرة المؤسسات على تنظيم الاستحقاقات العامة.
وكان بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المنشور في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026 قد اشار إلى جملة من هذه المعوقات، ومنها استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة، والقيود على وصول طواقم الانتخابات والمراقبين، وتدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
على ذلك، فإن هذه الوقائع تضع أمام القيادة الفلسطينية والمؤسسات الوطنية مسؤولية تقييم مدى توافر الشروط اللازمة لانتخابات شاملة، من دون أن يتحول الاعتبار الأمني إلى مبرر مفتوح لتعليق الحق الديمقراطي أو تأجيله من دون أفق زمني واضح.
التأجيل بين المبررات والمخاطر السياسية ..
أصدر الرئيس محمود عباس في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026 مرسوماً يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في 11 أيلول/سبتمبر 2027، بعد تعديل موعد الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. وربط الإعلان الرسمي تحديد الموعد الجديد بتهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية، وضمان مشاركة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وإتاحة المجال أمام حوار وطني شامل.
إن تقييم هذا القرار يستدعي النظر إلى مسألتين متلازمتين هما : مدى قدرة الظروف الراهنة على توفير انتخابات حرة وشاملة، ومدى قدرة القيادة والمؤسسات الفلسطينية على استثمار الفترة الفاصلة في معالجة أسباب الانقسام وأزمة الشرعية.
فالتأجيل قد يتيح وقتاً إضافياً لمعالجة العوائق الأمنية واللوجستية، واستكمال الحوار الوطني، وتوفير الضمانات اللازمة لمشاركة جميع المناطق الفلسطينية. لكنه قد يؤدي، إذا بقي بلا خطوات تنفيذية واضحة، إلى تعميق أزمة الثقة الشعبية، واستمرار تعطّل المؤسسات المنتخبة، وتوسيع الفجوة بين المواطنين والنظام السياسي.
وقد عبّرت جهات فلسطينية وحقوقية عن مخاوف تتعلق بتأثير التأجيل في الشرعية الديمقراطية، فيما ربطت الرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير الموعد الجديد بضرورة تهيئة الظروف اللازمة للانتخابات.
وعليه، فإن المعيار الأساس لتقييم المرحلة ليس مجرد تغيير الموعد، بل ما يتحقق خلالها من تقدم ملموس في توحيد المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان الحقوق الديمقراطية، وتحديد مسار قابل للمساءلة وصولاً إلى الانتخابات.
تحويل فترة التأجيل إلى فرصة لإعادة الترتيب
في هذا السياق إ فإن الامانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، ترى إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الساحة الفلسطينية هو أن تتحول الظروف الأمنية الصعبة إلى عامل إضافي لترسيخ الانقسام وتعطيل الإصلاح. وفي المقابل، يمكن للفترة الممتدة حتى الموعد المعلن للانتخابات أن تشكل مساحة للعمل الوطني والمؤسسي، شريطة ألا تكون مجرد فترة انتظار.
وتقترح الأمانة العامة أن تتناول عملية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني المحاور الآتية:
اولا : إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير
من خلال تفعيل مؤسساتها القيادية والتشريعية، وتوسيع المشاركة السياسية فيها، وإعادة انتظام اجتماعات المجلسين الوطني والمركزي وفق الأطر المعتمدة، وتعزيز دور المنظمة بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ويقتضي ذلك تطوير آليات التمثيل والمساءلة وصنع القرار، بحيث تعبّر المؤسسات الوطنية عن التنوع السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وتستعيد قدرتها على إدارة الخلافات ضمن قواعد مشتركة.
ثانيا : إصلاح مؤسسات السلطة وتعزيز ثقة المواطنين
تتطلب المرحلة الراهنة ، مراجعة أداء المؤسسات العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، وتطوير الخدمات العامة، ومكافحة الفساد، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات المهنية في الحياة العامة.
ولا يمكن فصل تجديد الشرعية الانتخابية عن الإصلاح المؤسسي؛ فالمواطن يحتاج إلى أن يرى أن المشاركة السياسية تؤدي إلى تغيير حقيقي في الأداء والتمثيل والمحاسبة.
ثالثا : توحيد حركة فتح على أساس الشراكة المؤسسية
ترى الأمانة العامة، إن وحدة حركة فتح، بوصفها مكوناً رئيساً في النظام السياسي الفلسطيني، مسألة تنظيمية وسياسية ذات أثر في المشهد الوطني العام. ويمكن تعزيز هذه الوحدة من خلال الحوار الداخلي، واحترام الأطر التنظيمية، ومعالجة الخلافات عبر المؤسسات، والاتفاق على برنامج سياسي وانتخابي واضحين .
ولا ينبغي أن تقوم الوحدة على إلغاء التعدد أو تأجيل معالجة الخلافات، بل على إدارة الاختلاف ضمن قواعد ديمقراطية تضمن المشاركة والمساءلة وتمنع تحول التنافس الداخلي إلى انقسام دائم.
رابعا : حوار وطني شامل مع حماس والجهاد والفصائل
إن استعادة الوحدة الوطنية تتطلب حواراً جدياً لا يستثني القوى الرئيسة، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب بقية الفصائل والشخصيات الوطنية والمستقلين ومؤسسات المجتمع المدني.
وينبغي أن يتناول الحوار برنامجاً وطنياً مشتركاً، وآليات المشاركة في مؤسسات منظمة التحرير، وقواعد التنافس الانتخابي، واحترام النتائج، وحماية الحريات العامة، وتنظيم العلاقة بين السلطات والمؤسسات الأمنية وفق القانون.
كما يتعين معالجة الخلافات المتعلقة بالبرنامج السياسي، والمرجعية الوطنية، وإدارة قطاع غزة، ووحدة النظام القانوني والمؤسسي، ضمن تفاهمات مكتوبة وآليات تنفيذ ومتابعة واضحة.
خامسا : حماية القدس وجعل مشاركتها معياراً لوحدة الانتخابات
بما أن المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ينطلق من خصوصية العاصمة ومكانتها الوطنية، فإن مشاركة المقدسيين يجب أن تبقى في صلب أي تفاهم انتخابي. ويشمل ذلك العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني لإزالة القيود الإسرائيلية، وضمان مشاركة المرشحين والناخبين، وتأمين عمل لجنة الانتخابات والمراقبين، وعدم التعامل مع القدس باعتبارها ملفاً إجرائياً يمكن تجاوزه عند تعذر التفاهم مع سلطات الاحتلال.
سادسا : وضع جدول زمني ملزم للاستعداد الانتخابي
من الضروري أن تترافق الفترة السابقة للانتخابات مع خطوات معلنة، تشمل استكمال الحوار الوطني، ومعالجة المسائل القانونية والإدارية، وتوفير ضمانات حرية الترشح والتصويت، ووضع ترتيبات عملية لمشاركة القدس وغزة والضفة الغربية، وإتاحة الرقابة المستقلة.كما ينبغي نشر تقارير دورية عن التقدم المحرز، وتحديد المسؤوليات والجهات المكلفة بكل خطوة، بما يحول دون استمرار التأجيل من دون نتائج قابلة للقياس.
نحو قاعدة وطنية صلبة لانتخابات شاملة ..
إن تهيئة الظروف للانتخابات لا تتحقق بمجرد تحديد موعد جديد، وإنما تتطلب معالجة العوامل التي أضعفت الثقة بالمؤسسات، وأعاقت وحدة القرار، وأبقت الانقسام الفلسطيني قائماً.
وتقترح الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس أن يستند المسار الوطني خلال المرحلة المقبلة إلى المبادئ التالية:
الشرعية الديمقراطية: اي الالتزام بإجراء الانتخابات في الموعد المعلن، وفق القانون، مع توفير الضمانات اللازمة لحرية الترشح والتصويت ونزاهة النتائج.
الشراكة الوطنية: بمعنى اعتماد الحوار الشامل بين فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وسائر القوى السياسية، والاتفاق على قواعد واضحة للمشاركة والاحتكام إلى المؤسسات.
وحدة الأرض والمؤسسات: عدم فصل القدس عن الضفة الغربية وقطاع غزة في أي عملية انتخابية أو تسوية سياسية.
الإصلاح والمساءلة: ربط التحضير للانتخابات بإصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز الشفافية والحريات العامة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء.
الرقابة والضمانات: توفير رقابة انتخابية مستقلة، ونشر المعلومات المتعلقة بالتحضيرات، وإتاحة المساءلة بشأن أي عقبات تحول دون تنفيذ الجدول الزمني.
رفض الفراغ السياسي: عدم السماح بأن تصبح الظروف الأمنية أو الخلافات الفصائلية ذريعة لاستدامة تعطيل المؤسسات المنتخبة.
على ذلك ، فإن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية فلسطينية، وتعاوناً بين الفصائل، وضغطاً دولياً فاعلاً لضمان إزالة العقبات التي تحول دون مشاركة الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
استنادا الى ما سبق، ترى الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، ان المرحلة الراهنة تفرض على النظام السياسي الفلسطيني الجمع بين متطلبين لا يجوز التضحية بأحدهما لحساب الآخر هما : حماية الحق الديمقراطي للشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، وضمان أن تجري الانتخابات في ظروف تسمح بمشاركة حرة وشاملة ونزيهة. كما ان تغيير موعد الانتخابات، في حد ذاته، لا يضمن معالجة أزمة الشرعية، مثلما أن إجراءها في ظروف لا تسمح بمشاركة القدس وغزة والضفة الغربية على قدم المساواة يثير أسئلة جدية حول شموليتها ونتائجها.
ومن هنا، فإن الفترة الممتدة حتى الموعد المعلن في 11 أيلول/سبتمبر 2027 ينبغي أن تخضع لتقييم وطني مستمر، وأن ترتبط بخطوات عملية لإعادة بناء الثقة، وإصلاح المؤسسات، وتوحيد حركة فتح على أسس مؤسسية، وإطلاق حوار جاد مع حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وسائر الفصائل، وتعزيز دور منظمة التحرير بوصفها إطاراً جامعاً للتمثيل الوطني الفلسطيني.
ويجب التأكيد ان استعادة الوحدة الوطنية ليست بديلاً عن الانتخابات، كما أن الانتخابات ليست بديلاً عن الوحدة ؛ فكلاهما مسار متكامل لتجديد الشرعية، وتعزيز قدرة المؤسسات الفلسطينية على مواجهة التحديات، وصون الحقوق الوطنية، وترسيخ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية .

