محليات

الفلاية تعود إلى غزة !!

52 مشاهدة
الفلاية تعود إلى غزة !!

الكاتب : د. بسام سعيد 
 
لم أسمع بكلمة "الفلاية" إلا منذ أيام قليلة، حين كنت أشتري بعض الحاجات من عند العطّار . لفت انتباهي صوت طفلة صغيرة تسأل البائع ببراءة عنها، وكأنها تبحث عن شيء عادي من مستلزمات الحياة اليومية. جاءه الرد صادمًا: "الفلايات نفدت من البلد"، وكأن الأمر لا يتعلق بمشط صغير، بل بنداء استغاثة صامت. الفلاية، لمن لا يعرفها، هي ذلك المشط الدقيق الذي يُستخدم لتنظيف الشعر من القمل والصيبان، كلمة اختفت من قاموسنا منذ عقود، لكنها اليوم تعود بقسوة لتفرض نفسها كجزء من واقع مرير.
وأنا أستعيد هذه الكلمة، عادت إلى ذاكرتي مشاهد من الطفولة كانت ترويها جدتي عن سنوات النكبة الأولى. كانت النساء يجلسن لساعات يمشطن شعر بناتهن باستخدام "الفلاية"، ذلك المشط الصغير البسيط الذي عُرف بكفاءته العالية في تنظيف الشعر من القمل والصيبان. كان مشهدًا مألوفًا في البيوت الفلسطينية قديمًا، قبل أن تتحسن الظروف الصحية والمعيشية فيختفي هذا المشط تدريجيًا من الحياة اليومية، ولا يبقى إلا في بعض البقالات التقليدية والزوايا المنسية من الأسواق. لكن المؤسف أن الحرب الحالية، التي يصفها كثيرون بأنها نكبة جديدة، أعادت الفلاية إلى الواجهة من جديد، لا بوصفها ذكرى من الماضي، بل حاجة يومية فرضتها ظروف النزوح والمعاناة.
في غزة، لم يعد الأمر مجرد كلمة منسية عادت للظهور، بل صار مؤشرًا على تدهور الظروف الصحية والمعيشية. القمل، الذي كان يُعد مشكلة عابرة في الماضي، بدأ ينتشر مجددًا بين الأطفال، ليس بسبب الإهمال، بل بسبب شحّ المياه وقلة الاستحمام، وندرة مواد النظافة الأساسية مثل الشامبو والصابون، فضلًا عن ارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرة الناس.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فقد بدأت تظهر حالات من الجرب والحكّة والدمامل، كما رصد الأطباء، خصوصًا بين الأطفال الذين يعيشون في خيم النزوح تحت درجات حرارة مرتفعة، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة والتهوية . إضافة إلى  أن الوضع البيئي في مناطق النزوح بات شديد السوء، حيث تنتشر القوارض والفئران التي يسميها كثير من أهالي غزة "العرس"، إضافة إلى البعوض والبراغيث والحشرات المختلفة التي تجد في تكدّس النفايات بيئة مثالية للتكاثر. وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب صعوبة نقل النفايات إلى أماكن الترحيل الأولية، بعدما أصبحت معظم مكبات النفايات تقع ضمن المناطق الخطرة أو المناطق المصنفة عسكريًا بالصفراء ، ما أدى إلى تراكمها بالقرب من الخيام والتجمعات السكانية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر صحية وبيئية متزايدة. و مع انعدام الكهرباء الذي عطّل أنظمة الصرف الصحي، تتفاقم الأزمة الصحية لتصبح تهديدًا يوميًا لحياة الناس.
أكثر من مليون ونصف المليون إنسان تركوا بيوتهم قسرًا، وانتقلوا للعيش في خيم أو غرف مدرسية مكتظة، حيث بالكاد يحصل الفرد على نصيبه من الماء، سواء العذب للشرب أو المالح للاستخدامات الأخرى. في هذه الظروف، لم يعد الحديث عن الخصوصية أو الكرامة أو حتى الراحة ممكنًا . خلف هذه الصورة القاسية، هناك بُعد اجتماعي عميق يتشكل بصمت. العائلات التي كانت تعيش باستقلالية أصبحت مضطرة للتشارك في مساحات ضيقة، ما خلق ضغوطًا نفسية واجتماعية غير مسبوقة. الأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا في مدارسهم، باتوا يكبرون في بيئة مليئة بالخوف والمرض وعدم اليقين. العلاقات الاجتماعية نفسها بدأت تتآكل تحت وطأة التوتر والاحتياج، حيث أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية تفوق أي اعتبار آخر.
حتى مفاهيم العيب والخصوصية تغيّرت؛ فمشاهد البحث عن "فلاية" أو الحديث عن القمل علنًا لم تعد محرجة كما في السابق،بل أصبحت جزءًا من واقع يتقاسمه الجميع. هذا التحول يعكس كيف يمكن للأزمات أن تعيد تشكيل الثقافة اليومية وتفرض أولويات جديدة على المجتمع.
ربما يكون هذا الحديث صادمًا للبعض،لكنه ليس إلا جزءًا بسيطًا من الواقع الذي يعيشه الناس هنا كل يوم. إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف حجم المعاناة الكبيرة. فعودة الفلاية ليست مجرد عودة لمشط قديم، بل عودة لمظاهر كان الناس يعتقدون أنها أصبحت جزءًا من الماضي . وحين تعود الأدوات القديمة لمواجهة مشكلات ظنّ المجتمع أنه تجاوزها منذ زمن، فإن ذلك يكشف حجم التراجع الذي فرضته الحرب على تفاصيل الحياة اليومية.
لقد تعبت الناس، ولم يعد لأسطرة الصمود معنى عندما يتحول إلى عبء يُطلب من البشر تحمّله بلا نهاية.

الناس هنا لا يحتاجون إلى أوصاف بطولية بقدر ما يحتاجون إلى فرصة حقيقية للحياة بكرامة، وإلى مستقبل لا تضطر فيه الأمهات للبحث مجددًا عن "فلاية" ظن الجميع أنها أصبحت مجرد ذكرى من زمن بعيد.

*أكاديمي وكاتب