واشنطن - واثق نيوز- نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا للمعلق جدعون راخمان قال فيه إن قرار شن الحرب على إيران لم يكن يحظى بشعبية في الولايات المتحدة. لكن في إسرائيل، تحظى الحرب بتأييد ساحق، حيث أيدت نسبة تفوق على 80% من الرأي العام قرار الهجوم، فلم يبذل أحد جهدا أكبر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإثبات أن إيران تشكل تهديدا وجوديا على إسرائيل. ففي اليوم التالي للغارات الجوية الأولى على طهران، قال مبتهجا إن “تحالف القوات” الحالي والذي يعني مشاركة الولايات المتحدة “يمكننا من تحقيق ما كنت أطمح إليه طوال أربعين عاما”.
ويعلق راخمان قائلا إن حرب نتنياهو التي تمناها مع إيران لم تجعل بلاده أكثر أمانا، بل إنها تعرض أمن إسرائيل على المدى البعيد للخطر.
ويسوق الكاتب سببين رئيسيين لدعم هذا الجدال. أولهما أن الدعم القوي من الحزبين في الولايات المتحدة كان، لعقود، الضمانة الأكبر لأمن إسرائيل، لكن تصرفات حكومة نتنياهو، أولا في غزة والآن في إيران، تضعف هذا الدعم وبشكل متزايد.
السبب الثاني هو أن الحرب مع إيران تظهر كل المؤشرات على أنها ستسير في الاتجاه الخاطئ، فلم يتحقق النصر السريع والحاسم الذي تحدث عنه كل من ترامب ونتنياهو. بل تصاعدت الحرب بطرق لم تتوقعها الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز.
وتشكل الحرب الطويلة تهديدا مباشرا للجنود والمدنيين الإسرائيليين، كما يتضح من الصواريخ الإيرانية التي ضربت بلدة في جنوب إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما أنها ستزيد من إضعاف التحالف الإسرائيلي الحيوي مع الولايات المتحدة.
ويشير راخمان لما يقوله مؤيدو نتنياهو بأن إيران شكلت خطرا وجوديا على إسرائيل لدرجة أنه لم يكن أمام رئيس الوزراء خيار سوى تجاهل القضايا الأخرى والتحرك. لكن بعض أبرز المراقبين الإسرائيليين للشأن الإيراني يشككون في فكرة أن البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية يشكل تهديدا وشيكا.
ويرى داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لقسم الأبحاث الإيرانية في جهاز المخابرات الدفاعية الإسرائيلي، أن القيادة الإيرانية السابقة، التي رحل معظمها، كانت “حذرة وتحسب خطواتها”. وقد أشارت التقارير إلى أنها لوحت خلال المفاوضات بأن إيران مستعدة لخفض مخزونها من اليورانيوم المخصب بشكل كبير، وهو عنصر أساسي في تطوير الأسلحة النووية.
ويرى سيترينوفيتش أن “المفاوضين الأمريكيين واجهوا صعوبة في استيعاب التداعيات التقنية والاستراتيجية لهذا العرض بشكل كامل”. ويعتقد محللون مثل سيترينوفيتش أن أكبر تهديد استراتيجي طويل الأمد لإسرائيل ليس إيران، بل احتمال فقدان الدعم الأمريكي الذي تعتمد عليه إسرائيل. وقد بدأ تآكل هذا الدعم بالفعل.
في 27 شباط/ فبراير، أي قبل يوم من بدء الحرب الإيرانية، أظهر استطلاع للرأي، وللمرة الأولى منذ أن بدأ معهد غالوب بطرح هذا السؤال أن عدد الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين يفوق عدد المتعاطفين مع الإسرائيليين. وقد ساهمت الحملة الإسرائيلية الوحشية في غزة في أعقاب هجمات حماس في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي أودت بحياة آلاف المدنيين الفلسطينيين، في هذا التحول في الرأي العام. وبات من الصعب الآن على أي مرشح مؤيد لإسرائيل تقليديا الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية لعام 2028. وقد وصف غافين نيوسوم، الذي يعتبر على نطاق واسع المرشح الأوفر حظا، إسرائيل بأنها “دولة فصل عنصري”.
ولطالما تحالف نتنياهو بشكل أساسي مع الجمهوريين. لكن المشاعر المعادية لإسرائيل، والتي تتطور إلى معاداة صريحة للسامية، باتت منتشرة على نطاق واسع داخل حركة “ماغا” التي يقودها ترامب. وقد تفاقمت هذه المشاعر بشدة جراء الحرب الإيرانية واستقالة جو كينت، رئيس مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، الذي اتهم إسرائيل بالتلاعب بأمريكا ودفعها إلى الصراع.
وفي الواقع، هذا السرد للأحداث متساهل للغاية مع ترامب. من الممكن تماما أن يرفض رئيس أمريكي دعوة رئيس وزراء إسرائيلي للحرب مع إيران. وقد فعل ذلك باراك أوباما وجو بايدن، أما ترامب فقد انخدع. ربما كان النصر السريع على إيران ليحافظ على التحالف الأمريكي الإسرائيلي أو حتى يعززه. لكن إذا انجرت الولايات المتحدة إلى مستنقع يزهق أرواحا أمريكية ويلحق ضررا بالاقتصاد، فإن ردة الفعل العنيفة ضد إسرائيل ستزداد حدة.
ونتيجة لذلك، بات من المتوقع تماما أن يدعو كل من المرشحين الديمقراطي والجمهوري في الحملة الرئاسية لعام 2028 إلى تقليص الدعم المقدم لإسرائيل.
ويعتقد راخمان أن هذا سيكون ذلك كارثة استراتيجية للإسرائيليين، الذين لطالما اعتمدوا اعتمادا كبيرا على الدعم السياسي والعسكري الأمريكي.
ومنذ هجوم حماس على إسرائيل، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل أكثر من 16 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة، شملت قنابل وذخائر وصواريخ اعتراضية بالغة الأهمية لصد الهجمات الإيرانية.
كما سمحت الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة لنتنياهو بالترويج لخرافة خطيرة، مفادها أن السبيل الوحيد لتحقيق أمن دائم يكمن في الحرب. لكن الانتصارات العسكرية التي قدمها نتنياهو للرأي العام الإسرائيلي على أنها حاسمة، تبين أنها ليست كذلك. فحماس لا تزال متحصنة في غزة. ولم ينه اغتيال قيادة حزب الله عام 2024 تهديد الجماعة اللبنانية المسلحة، وعادت إسرائيل الآن لخوض حرب كبرى في لبنان. وبعد الهجمات على البرنامج النووي الإيراني في حزيران/ يونيو الماضي، أعلن نتنياهو عن “نصر تاريخي” سيبقى “لأجيال”. ومع ذلك، ها نحن هناك في حرب جديدة.
ويقول راخمان إن نتنياهو دأب على وصف من دعوا إلى حوار مع إيران والفلسطينيين بالسذج المخدوعين. مع أن السبل السياسية والدبلوماسية هي السبيل الوحيد القابل للتطبيق على المدى الطويل لتحقيق الأمن الإسرائيلي.
وفي النهاية، فنهج نتنياهو القائم على الحرب الدائمة في ظل تراجع سريع للدعم الدولي لإسرائيل، بما في ذلك في الولايات المتحدة، هو وصفة لكارثة.



