الكاتب : شادي عياد
يبدو أن التاريخ عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين يحب أن يكتب نكاته الثقيلة في ثلاثة أسطر فقط.
السطر الأول كان في 12 آذار.
يوم قرر القدر أن أولد.
لا تقلقوا… لم أولد في مكان مهم.
لم تكن هناك مدينة تفتح ذراعيها… ولا قرية تعلق اسمي على شجرة زيتون.
ولدتُ ببساطة كما يولد اللاجئون عادة:
بين خيمةٍ وذكرى… وبين أمٍ جاءت من يافا وأبٍ جاء من القدس يحملان وطنًا كاملاً في الذاكرة ولا يملكان منه مترًا واحدًا.
كان ذلك يوم ميلادي.
ولأن التاريخ رجل ساخر بطبعه… فقد تركني أحتفل بيوم واحد فقط.
في 13 آذار
قرّر أن يرسل لي هديته الخاصة: حادث سير.
هكذا ببساطة…
كأن القدر قال:
لا بأس يا شادي… دعنا نذكّرك أنك لاجئ حتى في الطريق.
وفي 14 آذار
أكمل التاريخ نكتته.
فوجدت نفسي مستلقيًا في العناية المكثفة في قسم القلب.
وهناك…
بين صوت الأجهزة الذي يشبه دقات ساعةٍ عنيدة…
بدأت أفهم شيئًا عن هذه البلاد.
في هذه البلاد يولد الإنسان لاجئًا…
ويكبر مسرعًا…
ويتعلم مبكرًا أن القلب الفلسطيني يعمل دائمًا فوق طاقته.
كنت أنظر حولي بصمت.
لم أرَ وزراء…
ولا خطاباتٍ وطنية…
ولا محللين سياسيين يشرحون لنا لماذا يتعب القلب في هذه البلاد.
رأيت فقط الوجوه التي تعرف الحقيقة.
كان هناك ربيع…
ذلك الطفل الذي سمّته أمي يومًا ربيعًا لأن قلبها كان يصدق أن الربيع سيأتي.
كبر ربيع…
لكن الربيع نفسه تأخر كثيرًا.
وكان هناك نور عيوني:
ورد وزين وبراء وحلا.
الأطفال الذين اكتشفت وأنا أنظر إليهم أن القلب لا يتعب من الألم…
بل يتعب من الحب.
وكان هناك أبي… سيد الرجال …
الرجل الذي قضى عمره يحارب البرد والفقر والخذلان بيدين فارغتين وقلبٍ ممتلئ.
جلسنا جميعًا في تلك الغرفة الصغيرة…
كأن التاريخ جمعنا ليقول لنا شيئًا.
لا أحد كان يتكلم كثيرًا.
لكننا كنا نفهم بعضنا.
الحزن في العائلات الفلسطينية ليس صراخًا…
الحزن عندنا يشبه الدعاء الصامت.
وفي تلك اللحظة…
بين الخوف والرجاء…
فهمت شيئًا آخر أيضًا.
أن الفلسطيني يعيش حياته كلها كأنه في عناية مكثفة طويلة.
قلبه موصول بأسلاك كثيرة:
سلك اسمه الوطن…
وسلك اسمه الذاكرة…
وسلك اسمه الأولاد.
وأحيانًا…
يتوقف القلب لحظةً ليقول لك:
انتبه…
ما زلت حيًا رغم كل شيء.
هكذا مرّت الأيام الثلاثة.
12 آذار: ولادة لاجئ.
13 آذار: حادث طريق.
14 آذار: غرفة عناية مكثفة… وما زلت فيها حتى هذه اللحظة.
ثلاثة أيام فقط…
لكنها تشبه قصة الفلسطيني كلها.
قصة تبدأ بخيمة…
وتمر بحادث التاريخ…
وتنتهي دائمًا بقلبٍ يتعب… لكنه يرفض أن يتوقف.
أما أنا…
فما زلت ذلك اللاجئ نفسه.
أضحك قليلًا من مزاح التاريخ…
وأتمسك كثيرًا بيد ورد وزين وبراء وحلا…
وأقول في سري:
ربما تأخر الربيع…
لكننا ما زلنا نعرف الطريق إليه.



